أنّ كليهما يأتيان بالعمل بداعي أمره .
أمّا من أتى بالأقلّ لأجل الرياء والعجب وأمثالهما فعمله وإن كان باطلًا إلّا أنّه ليس محلّاً للنزاع ، فإنّ الآتي بالأكثر أيضاً لو قصد الرياء وأمثاله لكان عمله باطلًا غير مقرّب .
وثانياً : نحن لا نقول بالوجوب الغيري للأقلّ على تقدير كون المأمور به هو الأكثر ، بل المكلّف يأتي بأجزاء الواجب بداعي الأمر الذي تعلّق بالمركّب ، فإذا سألنا المصلّي عن علّة ركوعه مثلًا ، يقول : لأجل قوله تعالى : « أَقِيمُوا الصَّلَوةَ » « 1 » ولا يقول : لأجل الأمر الغيري المترشّح من قوله تعالى : « أَقِيمُوا الصَّلَوةَ » وذلك لأنّ المركّب والأجزاء شيء واحد ، والفرق بينهما إنّما هو بالإجمال والتفصيل ، فمبنى هذا الإشكال - وهو أنّ الأمر لو كان متعلّقاً بالأكثر واقعاً فوجوب الأقلّ يكون غيريّاً غير صالح للمقرّبيّة - باطل ، فالإشكال أيضاً يكون باطلًا .
فقد ثبت جريان البراءة العقليّة في موارد الدوران بين الأقلّ والأكثر إذا كان المشكوك جزءاً .
المقام الثاني : في البراءة الشرعيّة
ولابدّ هاهنا من البحث تارةً : بناءً على القول بجريان البراءة العقليّة في البحث السابق ، وأخرى : بناءً على القول بعدمه ، فنقول :
أمّا بناءً على جريان البراءة العقليّة ، وبعبارة أخرى : بناءً على القول بانحلال العلم الإجمالي ، أو بعدم وجوده رأساً - كما قلنا به - فلا شكّ في جريان البراءة الشرعيّة بالنسبة إلى الحكم التكليفي وهو وجوب الأكثر ، فإنّه أمرٌ مشكوك
هامش
( 1 ) وردت في آيات كثيرة ، منها : سورة البقرة : 43 .