بعض العدليّة - ولأجلها صدر الأمر والنهي من قبل الشارع ، وبمجرّد صدورهما تتحقّق المصلحة التي هي غرضه ، لكنّ العقل يحكم بإتيان المأمور به وترك المنهيّ عنه لأجل المولويّة والعبوديّة ، فإذا دار الأمر في المأمور به بين الأقلّ والأكثر يحكم العقل بلزوم إتيان ما وصل إلينا بيانه وهو الأقلّ ، وبالنسبة إلى غيره يحكم بقبح العقاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان .
فاتّضح ممّا ذكرنا أنّ امتناع الإرادة الجزافيّة عليه تعالى لا يلازم عقلًا وجوب الاحتياط بإتيان الأكثر في الدوران بين الأقلّ والأكثر ، فلا يمنع من إجراء البراءة العقليّة .
على أنّا لو فرضنا أنّ دفع الجزاف منحصر فيما ذهب إليه المشهور من العدليّة - من تبعيّة الأوامر والنواهي للمصالح والمفاسد التي في متعلّقاتهما - لما تمّ الإشكال على طريقه الثاني ، وهو أن تكون المصلحة غاية وغرضاً للأمر من دون أن تكون نفسها مأموراً بها ، فإنّا وإن كنّا شاكّين في سقوط الغرض بإتيان الأقلّ ، لكن نمنع من أن يكون بقاء الغرض واقعاً مساوقاً لبقاء الأمر ، حتّى يكون الشكّ في سقوطه مستلزماً للشكّ في سقوط الأمر - كما عليه المحقّق الخراساني رحمه الله « 1 » - فإنّ المولى إذا أمر عبده بتحصيل معجون مركّب لغرض وأعطاه مكتوباً فيه الأجزاء التي يتركّب منها المعجون وأمره بتحصيل هذه الأجزاء وجعلها معجوناً مركّباً ، ثمّ العبد شكّ في أنّ الشيء الفلاني الذي لم يكن في المكتوب يكون جزءً للمعجون أيضاً ومؤثّراً في الغرض الذي لأجله أمر المولى بتحصيل المعجون أو لا ، فهلترى العقل يحكم بتحصيل المشكوك وجعله جزءً للمعجون أيضاً ؟ ! أين حكم العقل بهذا ؟ !
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : 414 .