ولكنّ المصلحة علّة لصدور الأمر .
فإن كان متعلّق الأمر هو المصلحة فوجوب الاحتياط بإتيان الأكثر في ما نحن فيه واضح ، لأنّ المكلّف عند إتيان الأقلّ لم يعلم بتحقّق المحصّل للمأمور به المعلوم ، والاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني ، فلابدّ له من إتيان الأكثر لكي يعلم بتحقّق المأمور به .
وإن كان متعلّقه نفس الصلاة يجب الاحتياط بإتيان الأكثر أيضاً ، لأنّ الأمر وإن تعلّق بالصلاة لا بالمصلحة ، إلّاأنّ الأمر بالصلاة معلول ومسبّب عن المصلحة ، فالأمر موجود ما دامت المصلحة موجودة ، فلابدّ من الإتيان بالأكثر حتّى نعلم بتحقّق غرض المولى - وهو المصلحة - فنعلم بسقوط الأمر ، وأمّا إن اقتصرنا بإتيان الأقلّ فلم نعلم بتحقّق الغرض ، فلم نعلم بسقوط الأمر ، والعلم بالاشتغال وثبوت الأمر يستدعي العلم بالفراغ وسقوط الأمر « 1 » .
هذا توضيح الإشكال المذكور في كلام الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله .
والجواب عنه مبنيّ على ملاحظة منشأ القول بتبعيّة الأوامر والنواهي الشرعيّة للمصالح والمفاسد النفس الأمريّة في متعلّقاتها ، فنقول :
إذا راجعنا الكتب الكلاميّة نرى بحثاً بين الأشاعرة والعدليّة ، وهو أنّه هل يمكن الإرادة الجزافيّة في أفعال اللَّه تعالى أم لا ؟
قالت الأشاعرة : نعم ، ولعلّ الوجه في نظرهم أنّه تعالى قادر على كلّ شيء ، فعّال لما يشاء ، فلا يلزم أن يكون لإراداته تعالى منشأ عقلائي .
وقالت العدليّة : لا ، بل لابدّ لإرادته تعالى المتعلّقة بأفعاله غرض عقلائي ،
هامش
( 1 ) فرائد الأصول 2 : 319 .