الشوق إلى ثوابه ورضوانه ، أو رسخت في نفسه عظمة المولى وجلاله وكبرياؤه ، فصار مقهوراً في جنب عظمته ، وباعتبار هذه الملكة القلبيّة صار مطيعاً لأوامر مولاه .
وبالجملة : ما يصير داعياً للعبد ومحرّكاً إيّاه نحو طاعة المولى هو إحدى هذه الملكات الخمس النفسانيّة وغيرها من الملكات الراسخة .
وعلى هذا فما اشتهر من تسمية الأمر الصادر عن المولى داعياً فاسد جدّاً ، ضرورة أنّ صرف الأمر لا يصير داعياً ومحرّكاً للعبد ما لم يوجد في نفسه أحد الدواعي الخمسة المذكورة ، أو غيرها من الدواعي القلبيّة المقتضية للإطاعة ، كما يشاهد ذلك في الكفّار والعصاة .
نعم ، هنا شيء آخر ، وهو أنّه بعد أن ثبتت للعبد إحدى الملكات القلبيّة المقتضية لإطاعة المولى ، وصار نفسه - باعتبار ذلك - منتظراً لصدور الأمر عن المولى ، حتّى يوافقه ويمتثله ، يكون لصدور الأمر عن المولى أيضاً دخالة في تحقّق الإطاعة والموافقة ، فإنّه المحقّق لموضوع الطاعة ويصير بمنزلة الصغرى لتلك الكبريات .
فالداعي حالة بسيطة موجودة في النفس مقتضية للإطاعة بنحو الإجمال ، والأمر محقّق لموضوعها وموجب لتحريك الداعي القلبي وتأثيره في تحقّق متعلّقه ، وما هو الملاك في عباديّة العمل ومقرّبيّته إلى ساحة المولى هو صدوره عن إحدى هذه الدواعي والملكات الحسنة ، وليس للأمر بما هو أمر تأثير في مقربيّة العمل أصلًا ، فإنّ المحقّق لعباديّة العمل هو صدوره عن داعٍ إلهي ، وقد عرفت أنّ ما هو الداعي حقيقةً عبارة عن الملكة القلبيّة « 1 » . نعم ، يمكن بنحو
هامش
( 1 ) وإن خطر ببالك أنّه خروج عن محلّ النزاع ، حيث إنّ المحقّق الخراساني رحمه الله بنى البحث على كون قصد القربة بمعنى إتيان العمل بداعي الأمر ، فسيأتي جوابه في ص 107 . م ح - ى .