والوجود لا يحكي عن التشخّصات ، بل هو عبارة عن مجرّد وجود الطبيعة « 1 » .
قلت : نعم ، لكنّه لابدّ من هذا التوجيه وإن كان على خلاف الظاهر ، لأنّ القول بكون العوارض المشخّصة كخصوصيّات الزمان والمكان والهيئة وغيرها أيضاً مطلوبة واضح البطلان ، فلا يليق بحال العلماء الأكابر أن يبحثوا في أمرٍ أحد طرفيه ضروري البطلان .
والحاصل : أنّ النزاع في أنّ الأوامر والنواهي هل تعلّقت بنفس الطبائع أو بوجوداتها ؟
ما تقتضيه القواعد في المسألة
ولا يخفى أنّهم اتّفقوا على أنّ القواعد تقتضي كونها متعلّقة بالطبائع ، فإنّ قوله تعالى : « أَقِيمُوا الصَّلَاةَ » « 2 » و « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ » « 3 » و « وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ » « 4 » و « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ » « 5 » وأمثالها ظاهرة في التعلّق بالطبائع ؛ إلّاأنّ القائلين بالتعلّق بالوجودات قالوا بلزوم رفع اليد عن هذا الظهور لوجهين :
أحدهما : ما تمسّك به المحقّق الخراساني رحمه الله لتوسيط الوجود بين الطلب
هامش
( 1 ) إن قلت : لا يمكن أن توجد ماهيّة إلّامع العوارض المشخّصة ، فلا فرق بين الوجود والفرد .
قلت : نعم ، ولكنّ الفرق في مقام الحكاية ، فقضيّة « زيد فرد من الإنسان » حاكية عن كون زيد وجود الإنسان وكونه متشخّصاً بالتشخّصات الفرديّة ، وأمّا إذا قلنا : « زيد وجود الإنسان » فهو لا يحكي إلّاعن مجرّد كونه وجوده ، ولا يجب في صدق القضايا كونها حاكية لجميع ما هو متحقّق في الخارج ، وإلّا كان قولك : « جائني رجل » فيما إذا جاءك زيد كاذباً ، مع أنّه صادق بالضرورة . منه مدّ ظلّه .
( 2 ) الروم : 31 .
( 3 ) البقرة : 183 .
( 4 ) آل عمران : 97 .
( 5 ) المائدة : 3 .