والحاصل : أنّا لا نفهم عباديّة العمل إلّابالدليل الدالّ على كونه مقرّباً إلى اللَّه ، ولولا الدليل لما فهمناها ، ولو كان العمل متعلّقاً للأمر ، ضرورة أنّ الأمر كما يتعلّق بالأمور العباديّة يتعلّق أيضاً بغيرها ، كالواجبات التوصّليّة .
نعم ، لا يكفي في كون العمل القربى مقرّباً الإتيان به بأيّ داعٍ كان ، بل لابدّ فيه من الإتيان به بقصد القربة .
فالعمل لا يتحقّق عبادةً إلّاإذا كان أمراً قربيّاً ، ويؤتى به بقصد التقرّب .
ثمّ لا يخفى أنّ كون عمل صالحاً للعباديّة لا يوجب أن يكون عبادةً مطلقاً ، أي في كلّ زمان أو مكان أو حال ، بل قد يكون كذلك ، كالوضوء ، فإنّه عمل مستحبّ مقرّب إلى اللَّه تعالى في جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال ، حتّى فيما إذا كان تجديديّاً ، وقد يكون عبادةً في أزمنة خاصّة أو لأمكنة أو أحوال كذلك ، كالغسل الذي لا يكون مستحبّاً ومقرّباً إلّافي بعض الأزمنة « 1 » أو لبعض الأمكنة « 2 » والأحوال « 3 » ، وقد لا يكون عبادةً إلّانادراً ، كالتيمّم الذي لا يستحبّ إلّافي مورد أو موردين ، حيث إنّ التيمّم بدل الوضوء مستحبّ للمحدث الذي يريد النوم بدون الوضوء ولو كان واجداً للماء .
بل الوضوء أيضاً لا يكون عبادةً حين الحرج ، بناءً على ما هو الحقّ من أنّ قاعدة نفي الحرج عزيمة لا رخصة ، فالوضوء الحرجي باطل غير مقرّب إليه تعالى . بل الصلاة التي هي في رأس العبادات قد لا تكون عبادةً ، كصلاة الحائض التي هي محرّمة عليها ، فهي مبعّدة إيّاها عن اللَّه تعالى ، فضلًا من أن تكون مقرّبة .
هامش
( 1 ) كغسل الجمعة وليلة القدر . م ح - ى .
( 2 ) كغسل الدخول في الحرم ومسجد الحرام والكعبة . م ح - ى .
( 3 ) كغسل الإحرام والطواف والزيارة . م ح - ى .