لم يكن كذلك - كطهارة الثوب والبدن وستر العورة واستقبال القبلة - لم يكن عباديّاً .
وفيه : أنّ الحقّ ما ذكره المحقّق الخراساني رحمه الله كراراً من أنّ الأمر لا يكاد يدعو إلّاإلى متعلّقه ، فكيف يمكن أن لا يتعلّق بالشرائط ، ومع ذلك يكون داعياً إليها ؟ !
بيان ما هو الحقّ في منشأ عباديّة الطهارات الثلاث
والتحقيق في الجواب أن يقال : عباديّة العبادات لا تحتاج إلى الأمر ، وتوهّم احتياجها إليه ناشٍ من تفسير قصد القربة المعتبر فيها بقصد امتثال الأمر ، لكنّ الكلام في هذا التفسير ، إذ يحتمل أن يكون المراد به الإتيان بالعمل بقصد كونه مقرّباً إلى المولى ، بل هذا ظاهر كلمة « قصد القربة » ، كما يحتمل أيضاً أن يكون بمعنى إتيان العمل بداعي حسنه ، أو بداعي كونه ذا مصلحة واقعيّة ، وعلى هذه الاحتمالات الثلاث لا يتوقّف قصد القربة المعتبر في العبادات على كونها متعلّقة للأمر ، كما هو واضح .
إن قلت : فمن أين نفهم عباديّة العبادات لولا الأمر ؟
قلت : عباديّة العمل عبارة عن كونه مقرّباً للعبد إلى مولاه المعبود ، ومقرّبيّة بعض الأعمال واضحة لا تحتاج إلى البيان ، كالسجود ، فإنّ جميع الناس يعرفون أنّه عبادة ، سواء كان للَّهأو للوثن ، وما لم تكن عباديّته واضحة - وهو أكثرها - فلا طريق إليها إلّابيان الشارع ، فكلّ عمل قام الدليل الشرعي على عباديّته ومقرّبيّته فهو عبادة ، والطهارات الثلاث من هذا القبيل ، لقيام الإجماع وسيرة المتشرّعة المتّصلة بزمن المعصوم عليه السلام على كونها عبادة ومقرّبة إليه تعالى .