الثاني : أنّ الأوامر الغيريّة توصّليّة لا يعتبر في سقوطها قصد التعبّد ، مع أنّ الطهارات الثلاث يعتبر فيها قصده إجماعاً ، فما هو منشأ عباديّتها ؟
إن قلت : منشأ عباديّتها تعلّق أمر استحبابي نفسي بها سوى الأمر الغيري الوجوبي .
ففيه أوّلًا : أنّه لو تمّ فإنّما يتمّ في خصوص الوضوء والغسل ، حيث ثبت استحبابهما شرعاً ، وأمّا التيمّم فلا دليل على استحبابه في نفسه ، فإذن يبقى الإشكال بالإضافة إليه بحاله ، وثانياً : لا يمكن أن يكون شيء واحد محكوماً بحكمين ، سيّما أنّهما مختلفان من وجهين ، حيث إنّ أحدهما وجوبي غيري ، والآخر استحبابي نفسي ، وثالثاً : أنّ الإتيان بالطهارات الثلاث بداعي أمرها الغيري صحيح ، مع أنّه لو كان منشأ عباديّتها ذلك الأمر النفسي لم تقع صحيحةً .
وإن قلت : منشأ عباديّتها هو الأمر الغيري .
ففيه : أنّه مستلزم للدور المحال ، ضرورة أنّ ما تعلّق به الوجوب الغيري بناءً على تحقّق الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها إنّما هو المقدّمة بالحمل الشائع أعني الوضوء العبادي مثلًا ، فالوجوب متأخّر عن العباديّة ، لتأخّر الحكم عن موضوعه ، والعباديّة متأخّرة عن الوجوب ، لكونها ناشئة عنه فرضاً .
وأجابوا عن هذا الإشكال بوجوه عديدة :
كلام المحقّق العراقي رحمه الله في حلّ الإشكال
الأوّل : ما ذهب إليه المحقّق الشيخ ضياء الدِّين العراقي رحمه الله من أنّ الأمر المتعلّق بمركّب يتبعّض بتعداد أجزاء المأمور به ويتعلّق كلّ بعض من أبعاض