البحث الأوّل : فيما يحكم به العقل من البراءة أو الاشتغال « 1 »
فأقول : بناءً على المختار من إمكان أخذ « داعي الأمر » في متعلّقه كانت المسألة من صغريات مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ، إذ لا فرق حينئذٍ بين الشكّ في جزئيّة السورة أو شرطيّة الطهارة للصلاة ، وبين الشكّ في جزئيّة قصد القربة أو شرطيّته لها ، فكلّ من قال بالبراءة في الدوران بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين لابدّ له من أن يقول بها هنا أيضاً ، ويستنتج التوصّليّة ، وكلّ من قال هناك بالاشتغال لابدّ له من أن يقول به هنا أيضاً ، ويستنتج التعبّديّة ، هذا على ما هو الحقّ من إمكان أخذ داعي الأمر في متعلّقه .
وأمّا بناءً على استحالته ، فلو قلنا في مبحث الأقلّ والأكثر الارتباطيّين بالاشتغال فالقول به هنا أولى ، لعدم كون المقام من مصاديق تلك المسألة ، فإذا وجب الاحتياط بإتيان المشكوك الذي تمكّن الشارع من أخذه في متعلّق أمره ففيما لم يتمكّن يجب بطريق أولى .
نظريّة صاحب الكفاية رحمه الله في الأصل العملي الجاري في المقام
ولو قلنا هناك بالبراءة ، قال المحقّق الخراساني رحمه الله هاهنا بالاشتغال أيضاً كالفرض السابق ، وعلّله بأنّ الشكّ في مسألة الأقلّ والأكثر إنّما هو في مقدار
هامش
( 1 ) من الأصول العمليّة ما هو عقلي محض ، وهو أصالة الاحتياط ، وأصالة التخيير في دوران الأمر بين المحذورين ، ومنها ما هو شرعي محض ، وهو الاستصحاب ، حيث لا حكم للعقل فيه ، بل الشارع اعتبره بقوله : « لا تنقض اليقين بالشكّ » ، ومنها ما يحكم به العقل والشرع ، وهو أصالة البراءة ، حيث يحكم بها العقل بمقتضى قاعدة « قبح العقاب بلا بيان » ، والشرع ، بمقتضى « حديث الرفع » ونحوه ، وقد تقع الفرقة بينهما في بعض الموارد ، فلا تجري أصالة البراءة العقليّة ، بل أصالة الاشتغال ، ولكن يمكن التمسّك بالبراءة الشرعيّة بمقتضى « حديث الرفع » ، فلابدّ من البحث في كلا المقامين . منه مدّ ظلّه .