أقول : هذا وإن أمكن أن يكون جواباً عن الإشكال الأوّل ، إلّاأنّه لا يصلح أن يكون جواباً عن الإشكال الثاني ، وهو كيفيّة انحصار الحروف في القسمين .
وأجاب عمّا أورده المحقّق الخراساني رحمه الله سيّدنا الأستاذ الأعظم « مدّ ظلّه » بوجه آخر ، وهو أنّ الحروف حيث تكون موضوعة لأنحاء النسب والروابط تكون من قبيل المشترك اللفظي ، إلّاأنّ الوضع هنا واحد ، والمعاني غير متناهية ، بخلاف المشترك اللفظي المصطلح ، فإنّ الوضع هناك متعدّد بتعدّد المعاني ، والمعاني أيضاً متناهية ، فإذا قلنا : « سر من البصرة إلى الكوفة » يكون من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد .
ودعوى عدم جواز هذا النحو من الاستعمال ممنوعة ، ولو سلّمنا عدم الجواز لاختصّ بالمشترك اللفظي المصطلح ، أعني الأسماء التي لا تبعيّة لها في دلالتها ، بخلاف الحروف التي استعمالها ودلالتها وتحقّقها تبعيّة غير مستقلّة ، فيكون هذا النحو من الاستعمال في الكثير والحكاية عنه ممّا لا محذور فيه ، بل وإن كان المحكي غير متناهٍ ، بعدما عرفت من أنّ التكثّر في الدلالة والاستعمال تبعي لا استقلالي « 1 » .
أقول : والحقّ في الجواب أنّ الكلّيّة في قولنا : « سر من البصرة إلى الكوفة » لا تتصوّر إلّابحسب الزمان والطريق والمركب ونحوها ، وهذه الأمور وإن كانت عند الأخبار مشخّصةً ، إلّاأنّ الجملة الخبريّة أيضاً لا تكون حاكيةً عنها ، فإنّا إذا قلنا : « سرت من البصرة إلى الكوفة » لا يدلّ على أزيد من صدور السير من المتكلّم مع كون ابتدائه البصرة وانتهائه الكوفة ، وأمّا زمان السير وطريقه ومركوبه فهي وإن كانت متعيّنة في الواقع ، إلّاأنّ الجملة
هامش
( 1 ) تهذيب الأصول 1 : 46 .