ولنا قسم آخر من الحروف إيجادي ، كحروف التأكيد والقسم والنداء ، فإنّ التأكيد مثلًا ليس له واقعيّة خارجيّة حتّى تكون حروفه حاكية عنها ، فإنّا قد نعبّر عن قيام زيد ب « زيد قائم » وقد يقتضي الدواعي أنّ نعبّر عنه ب « إنّ زيداً لقائم » مع أنّ الواقع في كليهما واحد ، فحروف التأكيد لإيجاد التأكيد لا لحكايته ، وهكذا الحال في حروف القسم والنداء ونظائرهما من الحروف الإيجاديّة .
كيفيّة وضع الحروف
الحقّ عندنا أنّ وضعها - سواء كانت حاكية أو إيجاديّة - نظير الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ بالمعنى المشهور ، فإنّ الواضع عند وضع كلمة « من » مثلًا تصوّر مفهوم « النسبة الابتدائيّة » ثمّ وضع اللفظ لأنحاء النسب الابتدائيّة الواقعيّة ، لا للمفهوم المتصوّر .
إن قلت : هذا من قبيل الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ ، وقد قلت باستحالته « 1 » .
قلت : لا ، فإنّ مراد المشهور من الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ أن يكون النسبة بين المعنى المتصوّر والموضوع له نسبة الكلّي ومصاديقه والطبيعي وأفراده ، ونحن لا نقول به في وضع الحروف ، فإنّ النسب الواقعيّة ليست مصاديق لمفهوم النسبة ، إذ المفهوم ليس بنسبة أصلًا ، فإنّ حقيقة النسبة هي الوجود الرابط المتعلّق بالطرفين المندكّ فيهما ، ومفهومها أمر مستقلّ ، فكيف يمكن أن تكون النسبة بينهما نسبة الطبيعي والأفراد ؟ !
هامش
( 1 ) راجع ص 162 .