ألا ترى أنّ بعضهم قالوا بمغايرة الإنسان والحيوان الناطق مفهوماً ، ومع ذلك لا ريب في كون الإنسان حاكياً عن الحيوان الناطق ، فالتغاير مفهوماً لا يضرّ بالحكاية ، فتصوّر زيد مثلًا يوجب تصوّر الإنسان ، سيّما إذا لاحظنا زيداً بالكلّي المقيّد ، أعني « الإنسان المتخصّص بالخصوصيّات الزيديّة » بنحو دخول التقيّد وخروج القيد ، ضرورة أنّ لحاظ التقيّد يتوقّف على لحاظ طرفيه ، فكيف يمكن تصوّر « الإنسان المتخصّص بالخصوصيّات الزيديّة » من دون تصوّر نفس الإنسان بأيّ وجه من الوجوه ؟ !
فانظر إلى وجدانك إذا قلت : « رقبة مؤمنة » فهل يصحّ لك أن تقول : ما تصوّرت « الرقبة » أصلًا ، معتذراً بأنّك لاحظت الرقبة المقيّدة بالإيمان ، لا الرقبة بنحو الإطلاق ؟ !
وبعبارة أدقّ : الفرد هو الماهيّة الموجودة المتخصّصة بالخصوصيّات الفرديّة ، فإذا تصوّرنا زيداً أو الإنسان المقيّد بالخصوصيّات الزيديّة بنحو دخول التقيّد تصوّرنا أوّلًا ماهيّة الإنسان الموجودة ، ثمّ تشخّصها بالخصوصيّات الزيديّة .
فالفرد يكون عنواناً ومرآةً للماهيّة ، لدخولها فيه ، فتصوّره يستلزم تصوّرها ، لكن لا بنفسها ، بل بوجهها وعنوانها .
ويؤيّده أنّ الماهيّة دخيلة في التسمية « 1 » ، ألا ترى أنّك إذا سمّيت ولدك زيداً لو سُئلت عن أنّك لِمَ لم تجعل اسمه السيّارة ؟ قلت في الجواب : هو إنسان ، فلابدّ له من أسماء الإنسان ، وليس هذا الجواب إلّالأجل دخول ماهيّة الكلّي في الفرد ، إذ لو لم يكن المعنى الخاصّ حاكياً عن العامّ لما أثّر العامّ في تسمية الخاصّ ، فلحاظ الفرد يستلزم لحاظ الكلّي .
هامش
( 1 ) أي في جعل الاسم للأفراد والمصاديق . م ح - ى .