ففي هاتين الروايتين نزّل الطواف منزلة الصلاة ، والفقّاع منزلة الخمر .
وشيخنا الأعظم الأنصاري رحمه الله قال في باب حجّيّة الأمارات : معنى حجّيّتها تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع ، فقال بتحقّق الهوهويّة الاعتباريّة بين الواقع ومؤدّى الأمارة .
فكما أنّ الشارع نزّل الطواف والفقّاع ومؤدّى الأمارة منزلة الصلاة والخمر والواقع ، وجعل بينهما اتّحاداً اعتباريّاً ، فكذلك الواضع نزّل اللفظ منزلة المعنى ، وجعل بينهما هوهويّةً اعتباريّة .
ثمّ استدلّوا على هذا المعنى للوضع بأمرين :
الأوّل : أنّه لا شكّ في أنّ المتكلّم يلقي المعاني إلى المخاطب ، والمخاطب أيضاً يتلقّى المعاني منه ، بحيث لا يتوجّه إلى الألفاظ ويتخيّل أنّ المعاني تلقى إليه من دون وساطتها ، ولا ريب في أنّ إلقاء شيء ليس إلقاء شيء آخر إلّافيما إذا كانت بينهما هوهويّة واتّحاد ، وإلّا فبصرف تعهّد الواضع أن لا يستعمل إلّاهذا اللفظ عند إرادة ذلك المعنى ، أو بصرف جعل علاقة وارتباط بينهما لا يكون إلقاء أحدهما إلقاءً للآخر ، فعلم أنّ الواضع جعل بينهما الاتّحاد والهوهويّة .
الثاني : قد تقرّر عندهم أنّ للمعنى أربعة أنحاء من الوجودات :
1 - الوجود الخارجي ، 2 - الوجود الذهني ، 3 - الوجود الإنشائي « 1 » ، 4 - الوجود اللفظي .
فلو لم يكن اعتبار الاتّحاد كيف يمكن أن يكون وجود اللفظ وجوداً للمعنى ، مع أنّ اللفظ من مقولة الكيف المسموع والمعنى من مقولة أخرى .
هامش
( 1 ) الوجود الإنشائي لا يتحقّق في جميع المعاني ، بل في بعضها ، كالطلب ، فإنّا إذا قلنا مثلًا : « اضرب » يتحقّقالطلب الإنشائي المتعلّق بالضرب . منه مدّ ظلّه .