العلماء فى الطهران فحكيت له بما جرى علىّ من إدراك بعض المحافل الدرسية و عدم ارتضائي بتلك الدروس الرائجة العادية ، فهو - رضوان اللّه عليه - حرّضنى جدّا بادراك محضر العلامة ذى الفنون آية اللّه الحاج الميرزا ابى الحسن الشعراني ، و الحكيم الإلهى الحاج الميرزا مهدى الالهى القمشي . فتشرّفت عندهما و لكن كل واحد منهما اعتذر بكثرة المشاغل و المشاكل من التدريس و التصنيف و التحقيق و التصحيح و غيرها من الأمور العلمية فأبى أن يتقبل لنا درسا آخر . و على هذا المنوال راجعت اليهما كرة بعد أخرى و كان الجواب الجواب . و كنت أحاضر فى تلك الفترة القليلة محافل دروس أخرى مع عدم ارتضائى بها راجيا بما وعد اللّه سبحانه بقوله الكريم :
لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
. و بعد أيام عاودت أيضا إلى الأستاذ الالهى القمشي مع استحياء و انفعال ، فلمّا رأى أن شوقي الى الدرس فوق طوقي ، استخبرني هذه الكرّة عن بلدى و ارتحالى و مدّة اشتغالى بالتحصيل ، و عن المدرسة التى فى الطهران كنت مقيما فيها ، ثم استمهلنى عدة ايام أخر . فبعد مضيّها تفضّل بقبول تدريس الحكمة المنظومة للمتأله السبزوارى . و كان دروسنا عنده مطلقا فى بيته الشريف بعد العشائين اكثر من عشر سنين . فتعلّمنا عنده تفسير القرآن الكريم ، و الحكمة المنظومة بأسرها ، و شرح المحقق الطوسى على اشارت الشيخ من النمط الرابع إلى آخره ، و الثالث من اسفار صدر المتألهين في الإلهيات بمعناها الأخص .
و بعد ما حصل المؤانسة و المعارفة فى محضره الأسنى ، حكى ليلة بعد الدرس بما فعل فى غيابى لكي يطمئن و يستيقن فى حقى ، فقال : إنّى لمّا رأيت إصرارك و إبرامك على التدريس جئت يوما إلى مدرسة الحاج ابى الفتح على حين غفلة منك ، و سألت طلّاب المدرسة عن كيفية دأبك و ديدنك فى فعالك و اشتغالك فكانوا لسانا واحدا ناصّا على حسن سيرتك و شدّة ولعك باقتناء المعارف و اكتساب العلوم . و مع ذلك بعد ما رجعت الى المنزل تفألت بالقرآن الكريم و أخذت استخارة فى قبول الدرس ففتحت المصحف العزيز فاذا هذه الكريمة قد تلألأت و واجهت :
و ممّا رزقناهم ينفقون .