شرح
ولا قول غيره موافقاً للأصل ، فليس أي منهما مدعياً ، وليس لكل منهما حجة على ما يدعيه ، فيكون المقام من باب التداعي . ويكون كل منهما مدعياً .
أقول : ما ذكره المصنف قدس سره في هذا الفرض الثالث من القول بأن المدعي هو المضمون له ، والمنكر هو المضمون عنه غير صحيح ( 1 ) ، فإنه يخالف مسلكه في المدعي والمنكر .
نعم ما ذكره من أن المدعي هو المضمون له والمنكر هو المضمون عنه صحيح على مسلكنا وذلك لأنّا ذكرنا في بحث القضاء ( 2 ) أنّه لم يذكر في الروايات الواردة في حلّ الخصومة بالبينات والأيمان تعريف للمدعي والمنكر ، والمعروف عند جماعة أن من طابق قوله الأصل هو المنكر والآخر هو المدعي ، وهذا وإن كان غالباً كذلك ، إلاّ أنّه لم يثبت على نحو الكلية ، ولم يدل عليه دليل ( 3 ) ، بل الظاهر الرجوع إلى العرف في تشخيص ذلك ، فمن يطالِب الآخر بشي - والآخر لا يطالبه بشيء - ويطالَب بالاثبات عند العرف هو المدعي ، والآخر وهو من لا يطالِب بشيء هو المنكر . فلو فرض أن زيداً يدعي على عمرو قرضاً أو يدعي عليه أنّه أتلف ماله ، فزيد هو الذي يأخذ برقبة عمرو إلى المحكمة ويدعي عليه شيئاً ، فيطالب عند العقلاء باثبات ذلك ، وأمّا عمرو فلا يطالب باثبات عدم القرض أو عدم الاتلاف ، فهو المدعى عليه . فالمدعي من يطالِب الآخر بشيء ويكون هو المطالَب بإثبات ذلك عند العرف ، دون الآخر الذي لا يكون مطالباً ولا يُلزم ولا يطالب بالاثبات عند العرف ، فهو المدعى عليه .
هامش
( 1 ) سيأتي مزيد توضيح في الهامش عند انتهاء كلام السيد الاُستاذ قدس سره من هذه المسألة .
( 2 ) كتاب القضاء والشهادات 1 : 143 - 145 ، موسوعة الإمام الخوئي 41 : 51 .
( 3 ) وقيل غير ذلك ، فمن هذه الأقوال : أن المدعي من لو ترك تُرك والمنكر بخلافه . ومنها : أن المدعي من خالف قوله الظاهر ، والمنكر بخلافه ، ومنها : ما أختاره السيد الاُستاذ قدس سره في الشرح أعلاه من الرجوع في تشخيص المدعي والمنكر إلى العرف ، وذكرنا ذلك أيضاً في كتابنا القضاء والشهادات 1 : 143 - 145 . وستأتي تكملة لهذا البحث في آخر الفرض الثالث هذا .