تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح ) — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
يجعل خليّة الإنسان في مكان يستعدّ للنموّ ، كإلقاء البذر في أرض مستعدّة ، وليس هذا من التصرّف في أمر الخلقة في شيء ، ولذا لم يستشكل عليه أحد - فيما نعلم - على تطبيقه في عالم النبات والحيوان ، ولا يزال العلماء يستحصلون أنواعاً جديدة من النباتات والأشجار المثمرة عن طريق التصرّف في الجينات الوراثية ، وعن طرق أخرى ، وكذلك في انتخاب الأصلح في الحيوانات . وكذلك ما يقال : « إنّ قوله تعالى حاكياً عن إبليس : وَلَأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ . . . « 1 » ، يدلّ على عدم جواز الاستنساخ ؛ فإنّه تغيير في خلق اللَّه » . والجواب بالنقض أوّلًا ؛ فإنّ جميع ابتكارات الإنسان في عالم النبات والحيوان - والمتمثّلة بإبداع أنواع جديدة عن طريق علمي - هي من تغيير خلق اللَّه ، ولم يمنعها أحد ، ومثله عملية التجميل التي قد تجعل القبيح جميلًا . وبالحلّ ثانياً ؛ فإنّ المراد من تبديل خلق اللَّه - كما ورد في التفاسير والروايات - تبديل فطرة التوحيد إلى الكفر ، كما قال اللَّه تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ . . . « 2 » . وأسوأ حالًا من هذا الدليل ما قد يقال : من أنّه يوجب التفريق بين المرء وزوجه ، مثل ما ورد في قصّة هاروت وماروت . وجوابه واضح ؛ فإنّ الاستنساخ لا ربط له بالزوجية ، فلا مانع منه من ناحية العناوين الأوّلية . هذا . ولكنّ التأمّل يقضي باستلزام الاستنساخ لمفاسد أخلاقية ، واجتماعية : أمّا الأولى ؛ فلأنّه يفتح الباب أمام ترك الزواج وترك تشكيل الأسرة ، والإقبال على الاستنساخ ، وصيرورة المرأة حاملًا بدون زوج ، بل كون حمل المرأة من قبل نفسها بالاستنساخ ؛ عن طريق زرع جزء منها في رحمها ، وما أقبح ذلك .
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 119 . ( 2 ) . الروم ( 30 ) : 30 .
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح ) — صفحة 487 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي