أوّلهما : أنّ الفسق لا يمنع التصرّف في البقاء ، فلا وجه لاعتباره في الحدوث . ولا يمنع الفاسق - بل الكافر - عن التصرّف في ماله .
ثانيهما : أنّ الغرض من اعتبار الرشد هو حفظ المال ، وهذا حاصل بالصلاح في المال من دون حاجة إلى العدالة بالنسبة إلى أموال نفسه . وأنّه لم يأتِ القائلون باعتبار العدالة بشيء يعتمد عليه .
والحقّ في المقام - واللَّه أعلم - أن يقال أوّلًا : إنّ ما ذكروه في تفسير الرشد في عباراتهم - وقد مضى شطر منها - يرجع إلى شيء واحد ؛ وهو أنّ الرشد قوّة تدبير المال على النحو المتعارف بين العقلاء ، فمن لا يقدر على ذلك ، بل يفسد أمواله ، ويبيع بما دون القيمة ، ويشتري بما فوقها ، ويعطي ماله من لا يعتمد عليه ، فيأكل أمواله ، ولا يحتفظ بماله على النحو المعمول به بين العقلاء ، بل يجعله في مظانّ التلف ، فهو سفيه .
وهذا موافق لمعناه اللغوي أيضاً ؛ قال الراغب في « المفردات » ما حاصله : أنّ السفه في الأصل بمعنى قلّة الوزن في البدن على نحو لا يقدر على حفظ التعادل عند المشي ، ثمّ استعمل في خفّة العقل ؛ سواء في الأمور المادّية ، أو المعنوية ، انتهى .
ولكن في عرف الشرع ، يطلق بمعنى عدم الاعتدال في حفظ الأموال وإصلاحها ؛ نظراً إلى القرينة الموجودة في الآية الشريفة .
وثانياً : لا ينبغي الشكّ في عدم اعتبار العدالة فيه ، كما ذكره المشهور من الخاصّة والعامّة ؛ لما عرفت من عدم اعتبارها بقاءً ، فكيف تعتبر حدوثاً ؟ ! ولعدم دخلها في المقصود من حفظ أموال اليتيم ؛ فإنّه لا يخون في أموال نفسه حتّى تعتبر العدالة في إعطاء أمواله بيده .
هذا مضافاً إلى عدم وجود أيّ دليل على اعتبار العدالة في معنى الرشد .
والمظنون أنّه نشأ من الخلط بين معناه المادّي والمعنوي ، ومن بعض الروايات الناظرة في الأمور الأخلاقية ، التي يستفاد منها كون الفاسق أو شارب الخمر سفيهاً ،
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح ) — صفحة 336
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٣٦