ضَرَبْنَا للَّنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ . وقد ألف العلماء في أمثال القرآن كتباً خاصة ، ودرسوا الأمثلة القرآنية من ناحية بلاغية وبيانية . وبلغت هذه الأمثلة نحو ستين . ونكتفي بذكر عدد منها :
فمنها مثل الوحدة في الخلق ، وفي الحكم والإدارة ، قال تعالى : وَلَقَدْ ضَرَبْنَا للَّنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ .
ومنها مثل ضعف الجبابرة أمام قدرة الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ . الحج : 73 مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ .
ومنها مثل الوعد الإلهي في التوراة والإنجيل ببعثة النبي وآله ( صلى الله عليه وآله ) : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الآنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا .
ومنها مثل صاحب الجنتين وصديقه المؤمن : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَيُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّى لاجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا . قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَيُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَاكَ رَجُلاً . لَكِنَّا هُوَاللَّهُ رَبِّى وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّى أَحَدًا . وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا . فَعَسَى رَبِّى أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا . أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا . وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّى أَحَدًا . وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلايَةُ للَّهِ الْحَقِّ هُوَخَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا .
مَجَدَ - مَجْد - مجيد - تمجيد
الْمَجْدُ : السعة في الكرم والجلال ، وقد تقدم الكلام في الكرم . يقال : مَجَدَ يَمْجُدُ مَجْداً ومَجَادَةً . وأصل المجد من قولهم : مَجَدَتِ الإبلُ : إذا حَصَلَتْ في مرعًى كثيرٍ واسعٍ ، وقد أَمْجَدَهَا الراعي ، وتقول العرب :
في كلِّ شجرٍ نَارٌ واسْتَمْجَدَ المرْخُ والعَفَارُ
وقولهم في صفة الله تعالى : الْمَجِيدُ ، أي يجري السعة في بذل الفضل المختص به . وقوله في صفة القرآن : ق . وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ « ق : 1 » فوصفه بذلك لكثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية والأخروية ، وعلى هذا وصفه بالكريم بقوله : إنهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ « الواقعة : 77 » وعلى نحوه : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ « البروج : 21 » وقوله : ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ « البروج : 15 » فوصفه بذلك لسعة فيضه وكثرة جوده . وقرئ : المجيد بالكسر فلجلالته وعظم قدره ، وما أشار إليه النبي ( عليه السلام ) بقوله : ما الكرسي في جنب العرش إلّا كحلقة ملقاة في أرض