وقوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارا « البقرة : 17 » فإنه شبَّه من آتاه الله تعالى ضرباً من الهداية والمعارف ، فأضاعه ولم يتوصل به إلى ما رُشِّح له من نعيم الأبد ، بمن استوقد ناراً في ظلمة ، فلما أضاءت له ضيعها ونكس فعاد في الظلمة .
وقوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً « البقرة : 171 » فإنه قصد تشبيه المدعُوِّ بالغَنَم ، فأجمل وراعى مقابلة المعنى دون مقابلة الألفاظ ، وبسط الكلام : مثل راعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالغنم ، ومثل الغنم التي لا تسمع إلا دعاء ونداء .
وعلى هذا النحو قوله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كل سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ « البقرة : 261 » ومثله قوله : مثلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ « آل عمران : 117 » . وعلى هذا النحو ما جاء من أمثاله . والمِثَالُ : مقابلة شئ بشئ هو نظيره ، أو وضع شئ ما ليحتذى به فيما يفعل .
والمُثْلَةُ : نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالاً يرتدع به غيره ، وذلك كالنكال ، وجمعه مُثُلَاتٌ ومَثُلَاتٌ ، وقد قرئ : مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ « الرعد : 6 » والْمَثْلَاتُ بإسكان الثاء على التخفيف . نحو : عَضُدٍ وعَضْدٍ ، وقد أَمْثَلَ السّلطان فلاناً : إذا نكل به ، والأَمْثلُ يعبر به عن الأشبه بالأفاضل والأقرب إلى الخير . وأَمَاثِلُ القومِ : كناية عن خيارهم ، وعلى هذا قوله تعالى : إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً « طه : 104 » وقال : وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى « طه : 63 » أي الأشبه بالفضيلة ، وهي تأنيث الأمثل .
. ملاحظات .
1 . لم يوفق الراغب في تدوين هذه المادة ، فقد أهمل الحديث عن أمثال القرآن التي تبلغ نحو ستين مثلاً ، ولم يذكر أركانها وأقسامها . وبدأ المادة بذكر المثول والتمثال ، ثم عرف المثَل بعبارة ركيكة طويلة ، قال : » والمَثَلُ : عبارة عن قول في شئ يشبه قولاً في شئ آخر بينهما مشابهة ، ليبين أحدهما الآخر ويصوره ، نحو قولهم : الصيفَ ضيعت اللبن ، فإن هذا القول يشبه قولك : أهملتِ وقتَ الإمكان أمرَك . وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال « . فافهم كلامه إن استطعت أن تفهمه !
ثم قسم المثل القرآني إلى قسمين وأطال في تعريفهما وهما : الشبه الكلي والجزئي ، في صفة من الصفات . ثم دخل في تفسير : كمثله .
2 . جعل الراغب أصل المادة : المُثُول وهو بمعنى الحضور بين يديه والوقوف بين يديه . لكن لا يصح لأنه لا يمكن إرجاع الفروع اليه . وجعله ابن فارس « 5 / 296 » : « مناظرة الشئ للشئ » . وهو تعبيرعام يشمل أكثر فروع المادة .
كما خلط الراغب في مطلع كلامه بين المثول والمثال والتمثال ، فمَثُلَ أكثر ما تستعمل في الحضور أمام شئ أو الوقوف بين يديه . تقول مَثُلَ يَمثُلَ مُثُولاً . أما تَمثَّلَ فمشترك بين ضرب مثالاً ، وتصور في ذهنه وصَوَّرَ مثالاً . تقول : تمثل بقول الشاعر ، وتمثل في خاطره ، أو صَوَّره بالرسم أو النحت . وقد قصده الراغب بقوله : أصل المُثُولِ الانتصاب بمعنى الوقوف .
لكن الخلل في قوله : « المُمَثَّلُ : المصوَّر على مثال غيره . ومنه قوله ( عليه السلام ) : من أحب أن يُمَثَّلَ له الرجال فليتبوأ مقعده من النار » . فالمُمَثَّل أعمُّ من المُصَوَّر . ومعنى الحديث : من أحب يقف الرجال بين يديه . كما هو حال الملوك . كما أن ضرب المثل المنهي عنه هو المثلُ لله تعالى لا مطلقاً ، كما تصور الراغب .