واحد منها فعلاً يتعاطاه ، وصوتاً يتحراه .
قال : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً « الكهف : 65 » قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً « الكهف : 66 » . قيل : عنى به العِلْمَ الخاص الخفي على البشر الذي يرونه ما لم يعرفهم الله منكراً ، بدلالة ما رآه موسى منه لما تبعه فأنكره حتى عرفه سببه . قيل : وعلى هذا العلم في قوله : قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ « النمل : 40 » .
وقوله تعالى : وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ « المجادلة : 11 » فتنبيهٌ منه تعالى على تفاوت منازل العلوم وتفاوت أربابها .
وأما قوله : وَفَوْقَ كل ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ « يوسف : 76 » فَعَلِيمٌ يصح أن يكون إشارة إلى الإنسان الذي فوق آخر ، ويكون تخصيص لفظ العليم الذي هو للمبالغة تنبيهاً [ على ] أنه بالإضافة إلى الأول عليم ، وإن لم يكن بالإضافة إلى من فوقه كذلك . ويجوز أن يكون قوله عَلِيمٌ عبارة عن الله تعالى وإن جاء لفظه منكراً ، إذ كان الموصوف في الحقيقة بالعليم هو تبارك وتعالى ، فيكون قوله : وَفَوْقَ كل ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ « يوسف : 76 » إشارة إلى الجماعة بأسرهم لا إلى كل واحد بانفراده ، وعلى الأول يكون إشارة إلى كل واحد بانفراده .
وقوله : عَلَّامُ الْغُيُوبِ « المائدة : 109 » فيه إشارة إلى أنه لا يخفى عليه خافية . وقوله : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ « الجن : 26 » فيه إشارة إن لله تعالى علماً يخص به أولياءه ، والعَالِمُ في وصف الله هو الذي لا يخفى عليه شئ كما قال : لاتَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ « الحاقة : 18 » وذلك لا يصح إلا في وصفه تعالى .
والعَلَمُ : الأثر الذي يُعْلَمُ به الشئ ، كعَلَم الطريق ، وعَلَم الجيش ، وسمِّيَ الجبل علماً لذلك ، وجمعه أَعْلَامٌ . وقرئ : وإنه لَعَلَمٌ للسّاعة . وقال : وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالأعلامِ « الشورى : 32 » وفي أخرى : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأعلامِ « الرحمن : 24 » والشق في الشفة العليا عَلَمٌ ، وعَلَمُ الثوب .
ويقال : فلان عَلَمٌ ، أي مشهور يشبَّه بعلم الجيش . وأَعْلَمْتُ كذا : جعلت له علماً . ومَعَالِمُ الطريق والدين ، الواحد مَعْلَمٌ ، وفلان معلم للخير . والعُلَّامُ : الحِنَّاء وهو منه . والعالَمُ : اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والأعراض ، وهو في الأصل اسم لما يعلم به كالطابع والخاتم لما يطبع به ويختم به ، وجعل بناؤه على هذه الصيغة لكونه كالآلة .
والعَالَمُ : آلةٌ في الدلالة على صانعه ، ولهذا أحالنا تعالى عليه في معرفة وحدانيته ، فقال : أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « الأعراف : 185 » وأما جمعه فلأن كل نوع من هذه قد يسمى عالماً ، فيقال : عالم الإنسان ، وعالم الماء ، وعالم النار . وأيضاً قد روي : إن لله بضعة عشر ألف عالم . وأما جمعه جمع السلامة فلكون الناس في جملتهم ، والإنسان إذا شارك غيره في اللفظ غلب حكمه . وقيل : إنما جمع هذا الجمع لأنه عنى به أصناف الخلائق من الملائكة والجن والإنس دون غيرها .
وقد روي هذا عن ابن عباس . وقال جعفر بن محمد : عَنَى به الناس وجعل كل واحد منهم عالَماً . وقال : العَالَمُ عالمان الكبير وهو الفلك بما فيه ، والصغير وهو الإنسان لأنه مخلوق على هيئة العالم ، وقد أوجد الله تعالى فيه كل ما هو موجود في العالم الكبير ، قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . وقوله تعالى : وَأني فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ « البقرة : 47 » قيل : أراد عالمي زمانهم . وقيل : أراد فضلاء زمانهم الذين يجري كل واحد منهم مجرى كل عالم لما أعطاهم ومكنهم منه ، وتسميتهم بذلك كتسمية إبراهيم ( عليه السلام ) بأمة في قوله : إن
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي ( ط 2 ) — صفحة 581
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٥٨١