وقوله عز وجل : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ « البقرة : 179 » أي يرتدع بالقصاص من يريد الإقدام على القتل ، فيكون في ذلك حياة الناس . وقال عز وجل : وَمَنْ أَحْياها فَكَأنما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً « المائدة : 32 » أي من نجاها من الهلاك . وعلى هذا قوله مخبراً عن إبراهيم : رَبِيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَاأُحْيِي وَأُمِيتُ « البقرة : 258 » أي أعفو فيكون إحياء .
والحَيَوَانُ : مَقَرُّ الحياة ، ويقال على ضربين ، أحدهما : ما له الحاسة ، والثاني : ما له البقاء الأبدي ، وهو المذكور في قوله عز وجل : وَإن الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ « العنكبوت : 64 » . وقد نبه بقوله : لَهِيَ الْحَيَوانُ [ على ] أن الحيوان الحقيقي السَّرمدي الذي لا يفنى ، لا ما يبقى مدة ثم يفنى . وقال بعض أهل اللغة : الحَيَوَان والحياة واحد . وقيل : الحَيَوَان ما فيه الحياة . والموَتان : ما ليس فيه الحياة .
والحَيَا : المطر ، لأنه يحيي الأرض بعد موتها ، وإلى هذا أشار بقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كل شَئ حَيٍّ « الأنبياء : 30 » . وقوله تعالى : إنا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى « مريم : 7 » فقد نبه [ على ] أنه سماه بذلك من حيث إنه لم تُمِتْهُ الذنوب ، كما أماتت كثيراً من ولد آدم ( عليه السلام ) ، لا أنه كان يعرف بذلك فقط ، فإن هذا قليل الفائدة .
وقوله عز وجل : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْميتِ وَيُخْرِجُ الْميتَ مِنَ الْحَيِّ « يونس : 31 » أي يخرج الإنسان من النطفة ، والدجاجة من البيضة ، ويخرج النبات من الأرض ، ويخرج النطفة من الإنسان .
وقوله عز وجل : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها « النساء : 86 » وقوله تعالى : فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ الله « النور : 61 » . فَالتحِيَّة أن يقال : حَيَّاك َ الله ، أي جعل لك حياة ، وذلك إخبار ، ثم يجعل دعاء . ويقال : حَيَّا فلان فلاناً تَحِيَّة إذا قال له ذلك ، وأصل التحية من الحياة ، ثم جعل ذلك دعاء تحية ، لكون جميعه غير خارج عن حصول الحياة ، أو سبب حياة إما في الدنيا وإما في الآخرة . ومنه : التحيَّات لله .
وقوله عز وجل : وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ « البقرة : 49 » أي يستبقونهن . والحَياءُ : انقباض النفس عن القبائح وتركه ، لذلك يقال : حَيِيَ فهو حَيِيٌّ . واستحيا فهو مُسْتَحْيٍ ، وقيل استَحَى فهو مستحٍ ، قال الله تعالى : إن الله لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها « البقرة : 26 » وقال عز وجل : وَالله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحق « الأحزاب : 53 »
وروي : إن الله تعالى يستحي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه ، فليس يراد به انقباض النفس إذ هو تعالى منزهٌ عن الوصف بذلك ، وإنما المراد به ترك تعذيبه . وعلى هذا ما روي : إن الله حَيِيٌّ ، أي تاركٌ للقبائح فاعل للمحاسن .
. ملاحظات .
استعمل القرآن مادة الحياة والموت في معان أخرى سوى ما ذكره الراغب :
منها : حياة المؤمن وموت الكافر ، قال تعالى : أَوَ مَنْ كَأن مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ .
ومنها : حيوية يحيي ( عليه السلام ) : يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَميا . وقوله تعالى : مِنْ قَبْلُ ، يدل على وجود سميٍّ له بعده . وهو الحسين ( عليه السلام ) . كما نصت الرواية .
ومنها : في استحياء النساء وقتل الرجال : إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ .
ومنها : في حياة الرجعة في الدنيا : قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ