في الله تعالى : هو حَكِيم ، فمعناه بخلاف معناه إذا وصف به غيره ، ومن هذا الوجه قال الله تعالى : أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ « التين : 8 » .
وإذا وصف به القرآن فلتضمنه الحكمة ، نحو : الر . تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ « يونس : 1 » وعلى ذلك قال : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ « القمر : 4 » . وقيل : معنى الحكيم المُحْكم ، نحو : أُحْكِمَتْ آياتُهُ « هود : 1 » وكلاهما صحيح ، فإنه محكم ومفيد للحكم ، ففيه المعنيان جميعاً .
والحُكم : أعم من الحِكمة ، فكل حكمة حُكم وليس كل حكم حكمة ، فإن الحكم أن يقضي بشئ على شئ فيقول : هو كذا أوليس بكذا . قال ( صلى الله عليه وآله ) : إن من الشعر لحكمة ، أي قضية صادقة وذلك نحو قول لبيد : إنَّ تَقْوى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَل .
قال الله تعالى : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا « مريم : 12 » وقال ( عليه السلام ) : الصَّمْتُ حُكْمٌ وقَلِيلٌ فَاِعُلْه . أي حِكْمَةٌ . وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ « آل عمران : 164 » .
وقال تعالى : وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ الله وَالْحِكْمَةِ « الأحزاب : 34 » قيل : تفسير القرآن ، ويعني ما نبه عليه القرآن من ذلك : إن الله يَحْكُمُ ما يُرِيدُ « المائدة : 1 » أي ما يريده يجعله حكمة وذلك حث للعباد على الرضا بما يقضيه . قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله : مِنْ آياتِ الله وَالْحِكْمَةِ « الأحزاب : 34 » هي علم القرآن ناسخه ومُحْكَمه ومتشابهه . وقال ابن زيد : هي علم آياته وحكمه . وقال السدي : هي النبوة . وقيل : فهم حقائق القرآن ، وذلك إشارة إلى أبعاضها التي تختص بأولي العزم من الرسل ، ويكون سائر الأنبياء تبعاً لهم في ذلك . وقوله عز وجل : يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا « المائدة : 44 » فمن الحكمة المختصة بالأنبياء ، أو من الحُكْم .
وقوله عز وجل : آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ « آل عمران : 7 » فالمحكم : ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى . والمتشابه على أضرب تذكر في بابه إن شاء الله .
وفي الحديث : إن الجنة للمُحَكِّمِين ، قيل : هم قوم خُيِّروا بين أن يُقتلوا مسلمين وبين أن يرتدوا ، فاختاروا القتل . وقيل عنى المتخصصين بالحكمة .
. ملاحظات .
1 . استعمل القرآن مادة حكم بمعنى أصدر الحكم ، قال تعالى : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ . لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ . فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ . . وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ . فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ .
وبمعنى الحكم التكويني والحكم في الآخرة ، قال تعالى : أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ .
وبمعنى أحكم الشئ وأتقنه ، قال تعالى : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ .
وبمعنى التحكيم بين متخاصمين : فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا . يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ . فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ .
وبمعنى المحكم والمتشابه ، قال تعالى : مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ .
وبمعنى الحكمة النظرية والعملية ، قال تعالى : وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ . يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا . وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ . ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ . كما ورد في القرآن بمعانٍ أخر .
2 . أخذ الراغب تعريف الحكمة من ابن فارس « 2 / 91 » وقدجعلها من حَكَمَة الدابة أي لجامها ! ولا