2 . تفسيره ليثبتوك في الآية بيُثَبِّطُوكَ ويحيروك ، خطأ ، بل معناه ليُثْبِتُوكَ جريحاً ، فإن أثبته إذا أطلقت كانت بمعنى جَرَحَهُ وَأَقْعَدَهُ ، إلا بقرينة صارفة ، كقولك : أثبته وثاقاً . وكذلك قولك همَّ بزيد أي أراد أن يبطش به ، إلا بقرينة صارفة ، كقوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ فمعناه هنا : أرادته لنفسها بقرينة المقام . أما : وَهَمَّ بِها ، فتبقى بمعنى البطش لعدم وجود قرينة تصرفها عن معناها .
قال الجوهري « 1 / 245 » : « لِيُثْبِتُوكَ ، أي يجرحوك جراحة لا تقوم معها » .
3 . لا يصح تفسير الراغب قوله تعالى : وَلَوْ أنهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً . بأن معناه : أشد لتحصيل علمهم . وقد تحير فيه المفسرون ، وذكر الطبري عدداً من أقوالهم في تفسيره « 3 / 96 » فأخذ الراغب منها ما رآه أنسب ، وكلها غير مقنع ! ويظهر أن تركيب : تَثْبِيتاً من أَنفسهم ، في قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، جديدٌ على علماء اللغة خاصة غير العرب ، وهو يتوقف على تعيين متعلق الجار والمجرور . والصحيح أن مِن هنا بمعنى اللام ، والمعنى : ينفقون لتثبيت أنفسهم على الإيمان ، لأن الإنفاق دليل على صدق الإيمان ، فالجار والمجرور متعلق بتثبيتاً . وقد احتمله العكبري في تفسيره « 1 / 113 » فقال : يجوز أن تكون من بمعنى اللام : أي تثبيتاً لأنفسهم ، كما تقول : فعلت ذلك كسراً من شهوتي » .
لكنه بقي قوله احتمالاً أعرض عنه المفسرون لعجمتهم .
ومثلها قول تعالى : يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ . « البقرة : 265 » . أي لأنفسهم .
وذكر ابن هشام في المغني « 1 / 321 » مجئ مِن بمعنى الباء ، وفي ، وعند ، لكنه لم يذكر مجيئها بمعنى اللام . ولا عجب فإن النحويين لم يستقرئوا اللغة استقراءً تاماً ، فهذا فعل بَقِيَ فيه كل صفات كان النحوية ، ولم يذكروه في أخواتها !
4 . وقد ورد الثبات في القرآن في خمس آيات : في الشجرة الطيبة : كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ .
وفي المحو والإثبات : يَمْحُواْ اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ .
وفي الثبات في الحرب : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا .
وفي ثبات القدم في الإيمان : فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا .
واستعمل التثبيت في ثلاث عشرة آية :
منها : في تثبيت الله تعالى لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) : وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ .
ومنها : في تثبيت الله عز وجل للمؤمنين : يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ . وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ . إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا .
ومنها الأعمال التي توجب تثبيت الإيمان : يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ . لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا .
ثَبَرَ - ثبوراً - مثبور - مثابر
الثُّبُور : الهلاك والفساد . المُثَابِر على الإتيان : أي المواظب ، من قولهم : ثَابَرْتُ . قال تعالى : دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً « الفرقان : 13 » . وقوله تعالى : وَإِنِّي لاظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا . « الإسراء : 102 » قال ابن عباس : يعني ناقص العقل ، ونقصان العقل أعظم هُلْكٍ . وثَبِيرٌ جبل بمكة .
. ملاحظات .
1 . ليت الراغب أكمل نقل قول ابن فارس ، قال في ثَبَر « 1 / 400 » : « أصول ثلاثة : الأول السهولة . والثاني الهلاك . والثالث المواظبة على الشئ . فالأرض السهلة