هديتك بمجئ الآيات ، أي قد أرشدتك لذلك ، مثل : وإما ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ » .
أقول : يقصد ابن هشام أن قاعدتهم بأنه لا تجئ بلى إلا بعد نفي ، ينقضها قوله تعالى : بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا . فإنه لا يوجد قبلها نفي ، ثم أجاب بأنه يوجد نفي في المعنى وإن لم يصرح به .
والصحيح : أن اشتراط النحويين النفي قبل بلى غير دقيق ، نعم تحتاج لأن يتقدم عليها سؤال ، إما ظاهر بالاستفهام أو النفي ، أو مقدر بقرينة المقال أو الحال . وكذا استعملها أهل البيت ( عليهم السلام ) وهم أفصح من نطق بالضاد . قال علي ( عليه السلام ) « فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً ، ولا ادخرت من غنائمها وفراً ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً . بلى ، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين » . « نهج البلاغة : 3 / 71 » .
وقال ( عليه السلام ) : « إن هاهنا لعلماً جماً ، وأشار إلى صدره ، لو أصبت له حَمَلَة . بلى ، أصبت لَقِناً غير مأمونٍ عليه ، مستعملاً آلة الدين للدنيا . اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة » . « نهج البلاغة : 4 / 37 »
وفي الكافي « 1 / 90 » في جواب سؤال يهودي : « متى كان ربنا ؟ قال له : يا يهودي إنما يقال متى كان لمن لم يكن فكان ، هو كائن بلا كينونية ، كائن كان بلا كيف يكون . بلى يا يهودي ثم بلى يا يهودي ، كيف يكون له قبل ! هو قَبْلَ القبل بلا غاية ، ولا منتهى غاية لتنتهي غايته . انقطعت الغايات عنده ، هو غاية كل غاية . فقال : أشهد أن دينك الحق ، وأن ما خالفه باطل » !
فَبَلَى في هذه الموارد جوابٌ سؤال مقدر من السياق ، أو مفترض من المتكلم . وإن خلا الكلام من النفي والاستفهام .
بَنَن - بنَّ - بنان
البَنَان : الأصابع ، قيل سميت بذلك لأن بها صلاح الأحوال التي يمكن للإنسان أن يُبِنَّ بها ، يريد : أن يقيم بها . ويقال : أَبَنَّ بالمكان يُبِنُّ ، ولذلك خص في قوله تعالى : بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ . « القيامة : 4 » . وقوله تعالى : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كل بَنانٍ « الأنفال : 12 » خصه لأجل أنها بها تقاتل وتدافع . والبَنَّة : الرائحة التي تبنُّ بما تعلقت به .
. ملاحظات .
1 . لا دليل على ما ذكره الراغب وغيره من أن البنان مشتقة من بَنَنَ بمعنى أقام لتسمين شياهه ، وأن مناسبة اشتقاقها أنها تمكن الإنسان من الإقامة بالمكان ، فلا يوجد ارتباطٌ معقولٌ بينهما . ثم إن الأصابع من أعضاء البدن فكيف تأخرت تسميتها حتى أخذوها من الإقامة في مكان لتسمين الشياه ! قال الخليل « 8 / 373 » : « البنان : أطراف الأصابع من اليدين والرجلين . ويجئ في الشِّعر البنانة » .
وقال ابن فارس » 1 / 191 « : : » بنن الرجل فهو مبنن : وذلك أن يرتبط الشاة ليسمنها . . والبنان في قوله تعالى : واضربوا منهم كل بنان ، يعني الشوى وهي الأيدي والأرجل . . وإنما اشتقاق البنان من قولهم : أَبَنَّ بالمكان إذا قام ، فالبنان به يعتمد كل ما يكون للإقامة والحياة . قال الخليل : والبنة الريح من أرباض البقر والغنم والظباء ، وقد يستعمل في الطيب فيقال أجد في هذا الثوب بنة طيبة من عرف تفاح أو سفرجل « .
وقال ابن منظور « 13 / 58 » : « البَنانُ في قوله تعالى : بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ . يعني شَوَاه « الأيدي والأرجل » ويقال : بنانٌ مُخَضَّبٌ ، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاءُ ، فإِنه يُوَحِّد ويذكَّرُ . وقوله عز وجل : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الإعناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كل بَنانٍ ، قال أَبو إسحق : البَنانُ