تجعلن ذرب لسانك على من أنطقك ، وبلاغة قولك على من سددك » « نهج البلاغة : 4 / 96 » . وقال الإمام السجاد ( عليه السلام ) : « فأسألك ببلاغة حكمتك ونفاذ مشيتك » . « الصحيفة / 404 » .
5 . تعريف الراغب للبلاغة فيه إشكال ، وقد اختلفوا فيه وأطالوا حتى خرجوا عن البلاغة . وتعريفها المشهور بين الطلبة : مطابقةُ الكلام لمقتضى الحال . وهو على اختصاره وبلاغته مجمل ، وأضاف له بعضهم : مع الفصاحة .
وقال التفتازاني في مختصر المعاني « 1 / 24 » : « البلاغة في المتكلم ملكة يَقتدر بها على تأليف كلام بليغ . . ليس كل فصيح بليغاً لجواز أن يكون كلامٌ فصيح غير مطابق لمقتضى الحال » . فالمتفق عليه : أن البلاغة كلامٌ مميز في ألفاظه ومعانيه ، يشهد له العارفون باللغة .
6 . قال الراغب : والبَلَاغ : الكفاية ، نحو قوله عز وجل : إن فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ . لكنه في الآية أعم من التبليغ والكفاية . ثم فسر آية : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ، بقوله : إن لم تبلغ هذا أو شيئاً مما حُمِّلْت ، تكن في حكم من لم يبلغ شيئاً من رسالته ، وذلك أن حكم الأنبياء وتكليفاتهم أشد ، وليس حكمهم كحكم سائر الناس الذين يُتَجَافى عنهم إذا خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً .
لكن الصحيح أنه لا يكون مبلغاً للرسالة حقيقةً وليس في حكمه ، قال البيضاوي « 2 / 136 » : « فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه ، فما أديت شيئاً منها » . وقال ابن جزي في التسهيل « 1 / 238 » : « إن تركت منه شيئاً فكأنك لم تبلغ شيئاً ، وصار ما بلغت لا يعتد به » .
أما قوله : إن لم تبلغ هذا أو شيئاً مما حملت ، فغرضه أن يعمم الحكم إلى غير ولاية علي ( عليه السلام ) ولا يجعل لها خصوصية ! مع أنه ( صلى الله عليه وآله ) أُمِر بتبليغ أمرٍ مهم يعادل الرسالة وهو إعلان ولاية علي ( عليه السلام ) وقد استوفينا بحثه في كتاب : آيات الغدير .
بَلِيَ - بلىً - أبلاه - بَلَوْتُه
يقال : بَلِيَ الثوب بِلًى وبَلَاءً ، أي خَلِقَ . ومنه قيل لمن سافر : بِلْوُ سفر وبِلْيُ سفر ، أي أبلاه السفر . وبَلَوْتُهُ : اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له ، وقرئ : هُنالِكَ تَبْلُو كل نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ . « يونس : 30 » أي تعرف حقيقة ما عملت ، ولذلك قيل : بلوت فلاناً إذا اختبرته .
وسميَ الغم بلاءً من حيث إنه يُبلي الجسم ، قال تعالى : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ « البقرة : 49 » وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَئ مِنَ الْخَوْفِ . . الآية . « البقرة : 155 » وقال عز وجل : إن هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ « الصافات : 106 » .
وسمي التكليف بلاءً من أوجه ، أحدها : أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان ، فصارت من هذا الوجه بلاء . والثاني : أنها اختبارات ، ولهذا قال الله عز وجل : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ « محمد : 31 » .
والثالث : إن اختبار الله تعالى للعباد تارةً بالمسَارِّ ليشكروا ، وتارة بالمضارِّ ليصبروا ، فصارت المحنة والمنحة جميعاً بلاء ، فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر . والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر ، فصارت المنحة أعظم البلاءين . وبهذا النظر قال عمر : بلينا بالضراء فصبرنا ، وبلينا بالسراء فلم نشكر . ولهذا قال أمير المؤمنين : من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به ، فهو مخدوع عن عقله .
وقال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً « الأنبياء : 35 » وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً « الأنفال : 17 » وقوله عز وجل : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ « البقرة : 49 » راجع إلى الأمرين ، إلى المحنة التي في قوله عز وجل : يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ