وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ « البقرة : 49 » وإلى المنحة التي أنجاهم .
وكذلك قوله تعالى : وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ « الدخان : 33 » راجع إلى الأمرين ، كما وصف كتابه بقوله : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى . « فصلت : 44 » .
وإذا قيل : ابْتَلَى فلان كذا وأَبْلَاهُ ، فذلك يتضمن أمرين ، أحدهما : تَعَرُّفُ حاله والوقوف على ما يُجهل من أمره . والثاني : ظهور جودته ورداءته . وربما قصد به الأمران ، وربما يقصد به أحدهما .
فإذا قيل في الله تعالى : بلى كذا وأبلاه ، فليس المراد منه إلا ظهور جودته ورداءته ، دون التعرف لحاله والوقوف على ما يجهل من أمره ، إذ كان الله علَّام الغيوب . وعلى هذا قوله عز وجل : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ . « البقرة : 124 » . ويقال : أَبْلَيْتُ فلاناً يميناً : إذا عرضت عليه اليمين لتبلوه بها .
. ملاحظات .
1 . جعل الراغب كل فروع بَلِيَ وابْتَلَى أصلاً واحداً من بَلِيَ الثوب ، وجعل بَلَوته أي اختبرته بمعنى أخلقته ، وهذا تكلف في إرجاع الفروع إلى بلى الثوب ! كما فسر قولهم : بِلْوُ سفر بأبلاه السفر ، وهم يقصدون أنه قويٌّ على السفر مختبر فيه ! وجعله الراغب للإنسان وهو للناقة ، يقولون : نِضْوُ سفر ، وبِلو سفر .
أما ابن فارس فجعل بَلِيَ وبَلَوَ أصلين لكن المادة أوسع من ذلك . قال « 1 / 192 » : « أصلان ، أحدهما : إخلاق الشئ . والثاني : نوع من الاختبار ، ويحمل عليه الإخبار أيضاً ، يقول العرب : أبلِني كذا ، أي أخبرني فيقول الآخر : لاأبليك . ومنه حديث أم سلمة حين ذكرت قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه ، فسألها عمر أمنهم أنا ! فقالت لا ، ولن أبلي أحداً بعدك . أي لن أخبر » .
2 . لم يَستعمل القرآن بَلِيَ للثوب ، واستعمله ضد الخلود : وَمُلْكٍ لا يَبْلَى . واستعمل ابتلى وبَلَى وأَبْلَى بشكل واسع بمعنى الاختبار والامتحان .
واستعمل بَلَوْنا ونَبْلُو ويَبْلُو ، متعدياً بالباء : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً . ومتعدياً بفي : لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ . ومجرداً : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً .
واستعمل ابْتَلَى ويَبتلي ونَبتلي وابْتُلِيَ ، متعدياً بفي : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ . وبالباء : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ . ومجرداً : هُنَالِكَ ابْتُلِي الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا .
واستعمل أبلى مرة واحدة : وَلِيُبْليَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا .
واستعمل تُبْلى في آية واحدة للسرائر : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ . أي يوم تظهر فيها نتيجة الابتلاء .
وكذا تَبْلُو في آية واحدة للنفس : هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ . أي ترى نتيجته .
واستعمل الابتلاء للنوايا ، والتمحيص لنتائج الأعمال في القلوب ، فقال عز وجل : وَلِيَبْتَلِي اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ، وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ .
3 . يفهم من تتبع موارد البلاء والابتلاء ، أن البلاء قانون إلهي عام قامت عليه الحياة على الأرض ، قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً .
ويكون البلاء بالشر وبالخير : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر . لِيَبْلُوَنِى أشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ .
ومنه البلاء بالرزق : لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ . وبلاء