إلّاأنّ هذا فهم فلسفي لا فقهي ، والكلام في الثاني دون الأوّل ؛ فإنّه لا اعتبار بالفهم الفلسفي في الأمور الارتكازيّة العقلائيّة ؛ فإنّ العقلاء يرون أنّ المكان قد تغيّر من دون أيّما تغيير في الدَّين .
وهذا هو أحد محتملات الحوالة بحسب الفقه الإسلامي كما يتّضح بعد ذلك إن شاء اللَّه تعالى .
الفرق بين النحو الثالث والنحو الرابع :
والآن جاء دور النحو الخامس من الأنحاء الخمسة . وقبل بيانه لا بدّ من الوقوف على النحو الثالث والرابع ؛ لنرى الفرق فيهما بين التصوّر الإسلامي للذمّة وبين التصوّر الغربي لها :
فإنّه بناءً على التصوّر الإسلامي للذمّة ، يصبح إمكان النحو الثالث والرابع على درجة عالية من الوضوح ؛ وذلك لأنّ الذمّة - بحسب التصوّر الإسلامي - عبارة عن الوعاء الاعتباري للأموال الرمزيّة - كما سبق - ، والدَّين هو المال المطروح في ذلك الوعاء ، وحينئذٍ : يمكن تبديل مالك الوعاء ، وكذلك يمكن تبديل الوعاء نفسه ؛ أي يمكن تبديل الدائن - وهو النحو الثالث - وتبديل المدين - وهو النحو الرابع - ، ولا يرد عليه أيّ إشكال بناءً على هذا .
وأمّا بناءً على تصوّر الفقه الغربي للذمّة والدَّين ؛ فإنّ الدَّين عنده عبارة عن الالتزام الشخصي من قبل إنسان بأن يدفع إلى غيره مالًا ، وبناءً عليه : وقع النحو الثالث والرابع المزبوران مورداً للإشكال الثبوتي في الفقه الغربي ، فهو لا يرى أنّهما ممكنان ، بل يرى أنّ أيّة محاولة لتغيير الدائن أو المدين ترجع إلى إنهاء الدَّين الأوّل وإنشاء دين آخر ؛ فيكون مرجعه إلى التنازل غير المجّاني .
فالإشكال ناشئ من ناحية تصوّر فقهاء الرومان للدَّين ؛ حيث فسّروه