والآن ، وبعد أن اتّضح أنّ الإنسان مالكٌ لنفسه وقابليّاته وأطوار وجوده بهذا المعنى من الملكيّة الذي لا ينافي المسؤوليّة ، بانَ أنّ باب العهدة مختلفٌ عن باب الملكيّة ، أي أنّه يمكن أن يكون في العهدة شيء ، لكنّه - مع هذا - يملك هذا العمل الذي في عهدته : ففي عهدة الزوج الإنفاق على زوجته ، وفي عهدة الولد الإنفاق على أبيه ، كما أنّ في عهدة الأب الإنفاق على أولاده ، لكنّ ذلك لا يعني صيرورة الابن مالكاً للإنفاق على أبيه ، مالكاً لعملٍ من أعماله .
وبهذا يظهر أنّ العهدة لا ترتبط بالملكيّة ، فتقع فيها إلزامات ومسؤوليّات دون أن تطال الملكيّة في شيء ، غاية الأمر يطرأ هنا نحوٌ من المسؤوليّة القانونيّة أو المسؤوليّة الشخصيّة بنذر أو غيره .
من هنا يُعرف أيضاً أنّ التعهّد الموجود في النذر لا يجب أن يُخلط بباب الملكيّة والتمليك ؛ ففي قوله - مثلًا - : « للَّهعليّ أن أتصدّق بدرهم » تعهّدٌ والتزامٌ بحسب الارتكاز العقلائي ، ولا يوجد تمليك ؛ فهو لا يريد أن يملّك اللَّه فعلًا من أفعاله ، وإنّما يريد أن يتعهّد له سبحانه بالتصدّق بدرهم ، فبابه باب العهدة لا باب التمليك ، واللام في « للَّه » لامُ الإضافة في المتعهَّد له ؛ حيث إنّ المتعهَّد به يُضاف إلى المتعهَّد له ، فكما يضاف المملوك للمالك ، فيقال : « هذا ملكٌ لفلان » ، كذا يقال : « هذا متعهَّد به لفلان » ؛ فاللام هنا لام العهد لا الملك ، ويترتّب على هذا التمييز بين العُهدة والملك ثمراتٌ كثيرة ، تظهر أثناء البحث .
الحيازة والعمل ، حلقة الانتقال من ملكيّات الذات إلى ملكيّات الأعيان :
وعلى أيّة حال ، فهذه هي ملكيّة الإنسان لنفسه وقواه وأطوار وجوده .
ثمّ يأتي بعدها ملكيّتُه للموجود الخارجي ، والارتكاز العقلائي يساعد على أن تكون الحيازة حلقة الانتقال في المقام ؛ فالحيازة والعمل هما حلقة