تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 759

مساهمون:

ص٧٥٩
كلّ مراحل التأريخ . فإنّ هذا التلازم الاجتماعي المستمرّ يبرهن - تجريبياً - على أن النزوع إلى المطلق والتطلّع اليه وراء الحدود التي يعيشها الإنسان اتّجاه أصيل في الإنسان ، مهما اختلفت أشكال هذا النزوع وتنوّعت طرائقه ودرجات وعيه . ولكنّ الإيمان كغريزة لا يكفي ضماناً لتحقيق الارتباط بالمطلق بصيغته الصالحة ؛ لأنّ ذلك يرتبط - في الحقيقة - بطريقة إشباع هذه الغريزة وأسلوب الاستفادة منها ، كما هي الحال في كلّ غريزة أخرى ، فإنّ التصرّف السليم في إشباعها على نحو مواز لسائر الغرائز والميول الأخرى ومنسجم معها هو الذي يكفل المصلحة النهائية للإنسان . كما أنّ السلوك وفقاً لغريزة أو ضدّها هو الذي ينمّي تلك الغريزة ويعمّقها أو يضمرها ويخنقها . فبذور الرحمة والشفقة تموت في نفس الإنسان من خلال سلوك سلبي ، وتنمو في نفسه من خلال التعاطف العملي المستمرّ مع البائسين والمظلومين والفقراء . ومن هنا كان لابدّ للإيمان بالله والشعور العميق بالتطلّع نحو الغيب والانشداد إلى المطلق لابدّ لذلك من توجيه يحدّد طريقة إشباع هذا الشعور ، ومن سلوك يعمّقه ويرسّخه على نحو يتناسب مع سائر المشاعر الأصيلة في الإنسان . وبدون توجيه قد ينتكس هذا الشعور ويُمنى بألوان الانحراف ، كما وقع بالنسبة إلى الشعور الديني غير الموجّه في أكثر مراحل التأريخ . وبدون سلوك معمّق قد يضمر هذا الشعور ، ولا يعود الارتباط بالمطلق حقيقةً فاعلةً في حياة الإنسان ، وقادرةً على تفجير طاقاته الصالحة . والدين الذي طرح شعار « لا إلَه إلّا الله » ودمج فيه بين الرفض والإثبات معاً هو الموجّه . والعبادات هي التي تقوم بدور التعميق لذلك الشعور ؛ لأنّها تعبير عملّي وتطبيقي لغريزة الإيمان ، وبها تنمو هذه الغريزة وتترسّخ في حياة الإنسان . ونلاحظ أنّ العبادات الرشيدة بوصفها تعبيراً عملياً عن الارتباط بالمطلق