تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 756

مساهمون:

ص٧٥٦
وذلك على الوجه التالي : أوّلا : أنّ هذا الجانب من المشكلة كان ينشأ من تحويل المحدود والنسبي إلى مطلق خلال عملية تصعيد ذهني ، وتجريد للنسبي من ظروفه وحدوده . وأمّا المطلق الذي يقدّمه الإيمان بالله للإنسان فهو لم يكن من نسيج مرحلة من مراحل الذهن الإنساني ليصبح في مرحلة رشد ذهنيّ جديد قيداً على الذهن الذي صنعه . ولم يكن وليد حاجة محدودة لفرد أو لفئة ليتحوّل بانتصابه مطلقاً إلى سلاح بيد الفرد أو الفئة لضمان استمرار مصالحها غير المشروعة . فالله سبحانه وتعالى مطلق لا حدود له ، ويستوعب بصفاته الثبوتية كلّ المُثل العليا للإنسان الخليفة على الأرض : من إدراك ، وعلم ، وقدرة ، وقوة ، وعدل ، وغنى . وهذا يعني أنّ الطريق إليه لا حدّ له ، فالسير نحوه يفرض التحرّك - باستمرار وتدرّج - النسبي نحو المطلق بدون توقّف ،
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
« 1 » . ويعطي لهذا التحرّك مُثله العليا المنتزعة من الإدراك والعلم والقدرة والعدل ، وغيرها من صفات ذلك المطلق الذي تكدح المسيرة نحوه . فالسير نحو مطلق كلّه علم ، وكلّه قدرة ، وكلّه عدل ، وكلّه غِنىً يعني : أن تكون المسيرة الإنسانية كفاحاً متواصلا باستمرار ضدّ كلّ جهل وعجز وظلم وفقر . وما دامت هذه هي أهداف المسيرة المرتبطة بهذا المطلق فهي إذن ليست تكريساً للإله ، وإنّما هي جهاد مستمرّ من أجل الإنسان وكرامة الإنسان وتحقيق تلك المُثل العليا له ،
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ
هامش
( 1 ) الانشقاق : 6 .