غير منظور وراء تلك الظروف والعوامل المحسوسة .
وهذا ما يصدق تماماً على نبوّة الرسول الأعظم محمد ( صلى الله عليه وآله ) والرسالة التي أعلنها على العالم باسم السماء ؛ وذلك ضمن الخطوات التالية :
الأولى : أنّ هذا الشخص الذي أعلن رسالته على العالم باسم السماء ينتسب إلى شبه الجزيرة العربية ، التي كانت من أشدّ أجزاء الأرض تخلّفاً في ذلك الحين من الناحية الحضارية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، وينتمي إلى الحجاز بالذات من أقطار تلك الجزيرة ، وهو قطر لم يمرّ حتى تأريخياً بمثل الحضارات التي نشأت قبل ذلك بمئات السنين في مواضع أخرى محدّدة من تلك الجزيرة ، ولم يعرف أيّ تجربة اجتماعية متكاملة .
ولم ينلْ هذا القطر من ثقافة عصره - على الرغم من انخفاضها عموماً - شيئاً يذكر ، ولم ينعكس على أدبه وشعره شيء ملحوظ من أفكار العالم وتيّاراته الثقافية وقتئذ ، وكان منغمساً من الناحية العقائدية في فوضى الشرك والوثنية ، ومفكّكاً اجتماعياً تسيطر عليه عقلية العشيرة ، وتلعب فيه الانتماءات إلى هذه العشيرة أو تلك الدور الأساسي في أكثر أوجه النشاط بكلّ ما يؤدّي إليه ذلك من التناقضات وألوان الغزو والصراع الرخيص .
ولم يكن البلد الذي نشأ فيه هذا الرسول قد عرف أيّ شكل من أشكال الحكم سوى ما يفرضه الولاء للقبيلة من مواضعات .
ولم يكن وضع القوى المنتجة والظروف الاقتصادية في ذلك الجزء من العالم يتميّز عن أكثر بقاع العالم المتخلّف حينذاك .
وحتى القراءة والكتابة - بوصفها أبسط أشكال الثقافة - كانت حالةً نادرةً نسبياً في تلك البيئة ، إذ كان المجتمع اميّاً على العموم :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ