الموضوعية لضمان تحرك الإنسان وفق مصالح الجماعة شرط ضروري لاستقراء الحياة ونجاحها على الخطّ الطويل ، وعلى هذا الأساس واجه الانسان تناقضاً بين ما تفرضه سنّة الحياة واستقرارها من سلوك موضوعيّ واهتمام بمصالح الجماعة ، وما تدعو إليه نوازع الفرد واهتمامه بشخصه من سلوك ذاتيّ واهتمام بالمنافع الآنيّة الشخصية .
وكان لابدّ من صيغة تحلّ هذا التناقض وتخلق تلك الظروف الموضوعية التي تدعو إلى تحرّك الإنسان وفق مصالح الجماعة .
والنبوّة بوصفها ظاهرةً ربّانيةً في حياة الإنسان هي القانون الذي وضع صيغة الحلّ هذه ، بتحويل مصالح الجماعة وكلّ المصالح الكبرى التي تتجاوز الخطّ القصير لحياة الإنسان إلى مصالح للفرد على خطّه الطويل ؛ وذلك عن طريق إشعاره بالامتداد بعد الموت ، والانتقال إلى ساحة العدل والجزاء التي يحشر الناس فيها لِيُرَوا أعمالهم :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
« 1 » ؛ وبذلك تعود مصالح الجماعة مصالحَ للفرد نفسه على هذا الخطّ الطويل .
وصيغة الحلّ هذه تتألّف من نظرية وممارسة تربوية معيّنة للإنسان على أساسها ، والنظرية هي المعاد يوم القيامة ، والممارسة التربوية على هذه النظرية عملية قيادية ربّانية ، ولا يمكن إلّا أن تكون ربانيةً ؛ لأنّها عملية تعتمد على اليوم الآخر ، أي على الغيب ، فلا توجد إلّا بوحي السماء ، وهي النبوّة .
ومن هنا كانت النبوّة والمعاد واجهتين لصيغة واحدة ، هي الحلّ الوحيد لذلك التناقض الشامل في حياة الإنسان ، وتشكّل الشرط الأساسي لتنمية ظاهرة الاختيار وتطويرها في خدمة المصالح الحقيقية للإنسان .
هامش
( 1 ) الزلزلة : 7 - 8 .