كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
« 1 » .
وكان شخص النبي ( صلى الله عليه وآله ) يمثّل الحالة الاعتيادية من هذه الناحية ، فلم يكن قبل البعثة يقرأ ويكتب ، ولم يتلقّ أيّ تعليم منظّم أو غير منظّم :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
« 2 » .
وهذا النصّ القرآني دليل واضح على مستوى ثقافة الرسول قبل البعثة ، وهو دليل حاسم حتى في حقّ من لا يؤمن بربّانية القرآن ؛ لأنّه - على أيّ حال - نصّ أعلنه النبّي ( صلى الله عليه وآله ) على بني قومه ، وتحدّث به إلى أعرف الناس بحياته وتأريخه ، فلم يعترض أحد على ما قال ، ولم يُنِكر أحد ما ادّعى .
بل نلاحظ أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يساهم قبل البعثة حتى في ألوان النشاط الثقافي الذي كان شائعاً في قومه من شعر وخطابة ، ولم يؤثَر عنه أيّ تميّز عن أبناء قومه ، إلّا في التزاماته الخُلُقية وأمانته ونزاهته وصدقه وعفّته .
وقد عاش أربعين سنةً قبل البعثة في قومه دون ان يحسّ الناس من حوله بأيّ شيء يميّزه عنهم سوى ذلك السلوك النظيف ، ودون أن تبرز في حياته أيّ بذور عملية أو اتّجاهات جادّة نحو عملية التغيير الكبرى التي طلع بها على العالم فجأةً بعد أربعين عاماً من عمره الشريف :
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ /
« 3 » .
وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد ولد في مكّة ، وظلّ فيها طيلة الفترة التي سبقت البعثة ، ولم يغادرها إلى خارج الجزيرة العربية إلّا في سفرتين قصيرتين : إحداهما مع
هامش
( 1 ) الجمعة : 2 .
( 2 ) العنكبوت : 48 .
( 3 ) يونس : 16 .