فوجدت لهؤلاء رأيا جميلا في الله ، ورأيا جميلا في الحياة ليس
لقومهم مثلهما . وليس إله عبد المطلب إلها مصنوعا لا ينصر إلا
أن ينصر ، ولا يعطي إلا أن يعطى ، بل هو إله صانع ينصر ولا
يستنصر ، ويعطي ولا يستعطي ، ألم تر إلى ما حدثتك به من
أمر ( أبرهة ) وجيشه ؟ ألم تر إلى تلك الطير الضئيلة التي لا
نعرف مثلها في النسور ، وإلى حصواتها الصغار التي لا نعرف
مثلها في الصخور ، كيف أهلكت جيشا لم تثبت له اليمن ؟
ذاك كله مظهر من مظاهر القدرة في إله عبد المطلب ، فأين منه
آلهة الناس مما يصنعون من تماثيل ودمى عمي صم بكم لا
تعقل ، ولا تدفع عن نفسها شرا إن أردناها بشر ، وإله مثل إله
عبد المطلب - يا بني - خليق أن يكبر على طاقتنا ، فلا يخضع
إلى تصرفنا كي ننقله أو نحمله أو نعبث به كما شئنا ، كيف
شئنا .
قال عمار : لست أعني بإظهاره تجسيده ، ولا تمثيله ، ولا
نقله من عليائه إلى مصاف هذه الأحجار الصم العمي البكر .
فليكن إظهاره بإظهار أمره ، وإفشاء سره ، وإعلان قدرته .
قال ياسر : لكل أجل كتاب - يا بني - لا يسبقه ولا يتأخر
عنه ، وكيف يتأتى لعارفي هذه الإله العظيم إظهار أمره قبل
تحرير الناس من سيطرة الخرافة ، وقيد العادة ، وعبادة الذات ،
وسحر الوهم ، وهذه كلها جنون مجندة ، لا تكاد تحس المتحرر
حتى تأخذ عليه الآفاق ، وتسد عليه الطرق ، وقد رأيت
عبد المطلب برغم ذلك يتأتى الفرصة ، ويسعى في مهل إلى
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 29
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢٩