وسمع عمار عمرا بن العاص يخطب أهل الشام ، بعد أن
رآه يرسل بعض منافقي أهل العراق كالأشعث ، فنهض ليجعل
حدا لهذا الحرب الفكرية ، ووقف في خيله لا ترعد صوته
الشيخوخة ، بل تجهره وتجلوه العزيمة يقول : ( انهضوا معي
عباد الله إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم ظالم إنما قتله
الصالحون المنكرون العدوان ، الآمرون بالإحسان ، فقال هؤلاء
الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم ولو درس هذا الدين
قالوا : لم قتلتموه ؟ فقلنا لأحداثه . فقالوا إنه لم يحدث شيئا ،
وذلك لأنه مكنهم من الدنيا ، فهم يأكلونها ويرعونها ولا
يبالون ولو انهدمت الجبال ، والله ما أظنهم يطلبون بدم ، ولكن
القوم ذاقوا الدنيا فاستحلوها واستمرأوها ، وعلموا أن صاحب
الحق لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها ، إن
القوم لم يكن لهم سابقة في الإسلام ، يستحقون بها الطاعة
والولاية ، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا : قتل إمامنا مظلوما ،
ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا ، تلك مكيدة ألفوا بها ما ترون ،
ولولاها ما بايعهم من الناس رجل . ( اللهم إن تنصرنا فطالما
نصرت ، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك
العذاب ) .
فلما انتهى من تحليله الواقعي للموقف كله ، أمر هاشم
المرقال وهو صاحب رايته بالزحف قائلا له : تقدم أيها الأعور !
تقدم فداك أبي وأمي ، وانقض على أهل الشام فأزعج
صفوفهم ، فلما دنا من عمرو بن العاص في قلب معسكره قال
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 238
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢٣٨