في نفوس الناس ، ويحاربه هذا الفساد المستشري في نفوس
أصحابه كما يستشري في نفوس خصومه ، ولا مكان لمعاوية
في هذا الميدان لولا تطوعه للفساد ، أما ما يدعى له من الدهاء
ومضاعفات كفاءته فخصال معارة أضفاها عليه الواقع الذي لا
بد منه ، ولا أريد أن أحرم معاوية من مؤهلاته الانتهازية ،
ولكني أريد أن أخرجه من إطار العبقرية الذي صوره خداع
النظر ، وأريد أن أرجع فوزه إلى مصادره الصحيحة من ثبات
علي على مبادئه الحق ، ومن تقديم الناس مطامعهم على هذه
المبادئ بنزعة فردية محدودة النظر ، ومن التمهيد التاريخي
لتفريق الناس عن هذه المبادئ ، ومن اندفاعة الزمن بناسه
نحو الفساد الذي زين لهم أن الحياة لمن غلب ، وأن الغلب
إنما هو باكتناز المال ، واحتكار الفرصة ، وبسط النفوذ ، وبلوغ
المطمع ، ولو أن عليا اصطنع شيئا من المداهنة لأبطل مفاعيل
العوامل التالية لهذا العامل الرئيس - أعني المداهنة - وهزم
معاوية بأسهل مما هزم به الناكثين .
شغب معاوية في ذاته لم يكن كبير الخطر في مقاييس
الوعي الإسلامي الصحيح ، ولكن خطره الشديد جاء مما حف
به من ظروف وعوامل كان أخطرها على الاطلاق استقامة علي
بالذات .
وعلي الآن في الكوفة يستهون أمر معاوية كما يستهونه كل
مفكر ذي وزن في هذا العصر ، ولكنه يحسب حساب الأقدار
التي مهدت لمعاوية من الأحداث ، وهيأت له من الظروف ما
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 235
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢٣٥