وظل كذلك لا يهدأ ولا يستقر ، يجهد نفسه ، ويجهد
جيشه ، وينصب على عدوه انصباب موت صاعق مفن مشبوه ،
حتى كان يوم هذه المعركة الثالث ، وكان قمة الأيام في
الاستبسال والإقدام والكر ، وعمار يومئذ صائم ، وعمره أربع
وتسعون سنة ، وهو منصب على عدوه انصباب مستميت ، يقدم
أمامه هاشما بالراية ، وهاشم يستمهله ويستأنيه ويطلب إليه أن
يكل إليه أمر الزحف ، ولكنه يهيب به : تقدم أيها الأعور ، فداك
أبي وأمي ، ويتقدم ، فتجفل خيل الشام ، ويتردد ذو الكلاع
الحميري وهو عمدة الجيش الشامي ، فلا يقتحم صفا يندفع به
عمار ، ويبلغ أمره معاوية ، فيسقط في يده ، ويأتيه هو ووزيره
فيخدعانه ، ويقسمان له أن الذي حفظه في عمار لحق ، ولكن
عمارا سينتهي إليهما أمره ، وما عليه إلا أن يخوض هذه
المعركة ، ويرى إذا انحصر غبارها ، عمارا في صفه ،
فإذا لم يجده كذلك كان للتردد في الحرب خلال الأيام المقبلة
مجال واسع . ومضى النهار الثالث كله ، وعمار في الميدان
أثبت ما تكون الفرسان الأشداء موقفا ، فلما مالت الشمس إلى
المغيب ، ودخلت ( ليلة الهرير ) طلب ماء ليفطر ، فجئ إليه
بإناء فيه لبن ، فابتسم قبل أن يشربه ابتسامة أشرقت فيها نفسه
وقال : قال لي حبيبي رسول الله : " آخر زادك من الدنيا ضيح
من لبن " ثم شرب اللبن وكر بكتيبته مقبلا على جنة يراها ،
ويرى فيها إلى النبي يستقبله بما كان يستقبله به في هذه
الدنيا .
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 241
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢٤١