الأثر في توجيه الزمن ضد علي ، ولم يكن علي يجهل شيئا من
هذا كله ، ولم يكن غيره أعلم منه بأن تغذية المطالع ، والعودة
إلى إحياء العصبيات ، واشتراء الضمائر وسائل النصر المحقق
في مثل هذه الردة التي اقتضتها روح الزمن في تلك الفترة ،
ولكنه رجل كان ( لا يتخذ المضلين عضدا ) كما قال حين
أشار عليه المغيرة بإقرار معاوية على الشام ، وحين طلب
معاوية منه إمارة دمشق والقاهرة ثمنا لبيعته ، فرفض الإشارة ورد
الطلب ملتزما منهجه ، غير غافل عما لم يفطن إليه ساسة
عصره وساسة العصور المتأخرة عنه من خب ء في هذا الحل
يظهر المساومة ، ويبطن الغدر ، على أن هذا الحذر - وهو
ملحوظ - لم يكن الأساس في رفض استعمال معاوية ، ولا
القاعدة في عزله ، فإنما كان إقصاء معاوية قائما على قاعدة
إقصاء أبيه من قبل ، وهي قاعدة مبدئية عبر عنها القرآن : ( وما كنت
متخذ المضلين عضدا ) وكان لا يشك بأنها قاعدة بعيدة عن
روح عصره ، وأنها تجر عليه أعنف المكاره ، وأصعب
الشدائد ، إلا أنه تطوع لحمايتها ، وتحمل في سبيلها منازلة
الزمن نفسه ، لأنه أراد أن يكون ( عليا ) وما أراد أن يكون
( معاوية ) ، ولأنه كان يحارب من أجل هذه القاعدة لا من أجل
الملك ، ولأنه لم يطلب النصر المؤقت ، بل طلب النصر
الدائم . وليس أدل على هذا كله من قوله لأصحابه حين
تخاذلوا : ( إني أعرف ما أحملكم به على الطاعة ولكن لا
أصلح دنياكم بفساد ديني ) . فهو إذن يحارب الفساد المنتشر
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 234
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢٣٤