وكان عثمان من رقة القلب ، ولين الجانب ، وبر الأرحام حيث
لا يقدر على إخفاء الحكم الأموي لحظة واحدة . ولم تكن
المعارضة التي بكر بها عمار ، وبادر إلى تزعمها غير صدى
ليقينه بأن عثمان مبكر بحماية بطانته من نبي أمية وبني أبي
معيط ، ولعلمه بأن نفوذ هؤلاء - خطر - أي خطر - على نظم
الإسلام الاشتراكية سواء فيها نظم الاجتماع ، ونظم الاقتصاد .
وقد بكر الحكم الأموي بالظهور كما قدر عمار فعلا .
وإليك هذه الأدلة المادية من أحداث اللحظة الأولى التي
نقمتها جماهير المسلمين ، ودعت عمارا إلى تزعم معارضتها ،
وإلى تلقي العذاب كما عهدناه بسبب هذه المعارضة .
حمل الخليفة عثمان من غرفة الشورى بعد البيعة إلى داره
يشرب نخب النصر مع خاصته وحاشيته ، لا إلى المسجد يعلن
للناس منهجه ويشرك المهاجرين والأنصار بأمره ، فكانت هذه
البادرة ظاهرة لم يرتح الناس إلى استقبالها ، ولم يطمئنوا إلى
مدلولها ، وربما شموا بها رائحة لم يألفوا شمها في الإسلام ،
ولعلهم رأوها أشبه بسيرة الملوك منها بسيرة الخلفاء ، وهاهم
يعلنون شكهم هذا ، ويتحدثون عنه حديثا لاغطا لا حذر فيه ،
حتى يبلغ الخليفة ، وحتى يضطره للعودة إلى الناس ،
والاعتذار إليهم بأنه جديد عهد بهذا الأمر ، فليمهلوه حتى
يتدبره ويترواه ويتعمقه ، وسيفرغ بعدئذ إلى لقائهم ، والتحدث
إليهم ، كما يحب ويحبون .
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 191
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٩١