وقد نفعته الصدمة الثانية نفعا عظيما لم يخطر بباله حين ثار
لعلي ، ولم يفكر به وهو يهيج بحوافز أنانية محضة ، فكان وقع
ثورته هذه عميقا في نفس أبي بكر وعمر اللذين أقاما من وزنها ما
لم يقمه علي ولا أبه له ، فهالهما منها ما قد تفتحه عليهما من
نوافذ خطرة ، وما تجره عليهما من مصاعب . فإذا كفاهما شرها
اتزان علي ، ورسوخ قدمه هذه المرة ، فمن يقيهما شر أبي
سفيان في غيرها من فرص الوثوب ، وهذه ( الردة ) مكشرة
الأنياب ، طويلة الأظفار ؟ تدارس أبو بكر وعمر هذه المشكلة
دون ريب ، واهتما بها اهتماما بالغا وحلاها ، ذكر بعضه
المؤرخون ، ونسوا أهمه وأعمقه ، اشتروا سكوته بالمال ولكن
أبا سفيان لا يسكت في عهد العمرين بمثل ما أسكته في عهد
النبي ، ولا يرضيه من الحل نصيب من ( النفقات السرية ) . ثم
هو أدهى من أن يجعل في انتفاضه على أبي بكر وعمر سبيلا
على نفسه ، فإذا أكرهوه على السكوت كاد لهم في الظلام كيدا
لا يعرفان كيف يتقيانه ، فهما من أجل هذا مضطران إلى
إرضائه بما يرضيه وراء ( النفقات السرية ) وما يدرينا فقد
يلاقيانه ، أو يلاقيهما في نقطة من النقاط ، ألم تكن كل
الأحزاب متفقة على ( توسيع الأمر في قريش ) ؟ إن هذه
التساؤلات تؤدي بنا إلى حل مشكلة أبي سفيان حلا أقرب إلى
الواقع ، ويكاد يجزم الجواب عليها ، بأن ثمن سكوت أبي
سفيان كان أثمن من هذا المال الذي تناوله من أبي بكر باسم
( المؤلفة قلوبهم ) وتناوله من عمر باسم ( أشراف قريش ) وأن
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 189
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٨٩