قال المحدث : أما الأمر الثابت فإن عثمان امرؤ رقيق
القلب ، لين الجانب ، بار بأرحامه ، وإنه كان لهذه الصفات
الطيبة قنطرة عبر عليها الفتح الاريستقراطي المتربص
لديمقراطية الإسلام منذ حين ، وأنه كان مدخرا ادخره أرحامه
وغير أرحامه لتحقيق هذا الغرض قبل خلافته بزمن غير قصير ،
وأن ثبوت هذا كله يأبى كمون الحكم الأموي ستة أيام في
عهد عثمان لا هذا الدهر الطويل من السنين الست .
قال المحدث : ولادخار عثمان لهذا الغرض حكاية تبدأ من
يوم ( السقيفة ) ، يوم استخدم الحزب البكري فرصة موت
النبي ، وأسرع إلى الانتفاع بمبدأ : ( وسعوها في قريش تتسع ) .
وما نسينا غضبة أبي سفيان يومذاك ، وتطوعه لنصرة علي ،
وإقباله إليه يعرض عليه البيعة ، وما نسينا أن الأكثريين من
المعنيين بدراسة هذه الفترة يمرون بهذا الحادث الخطير مرورا
عابرا ، فلا يعطونه ما يستحقه من الاهتمام ، على حين أنه -
كما يبدو - من أدق الأحداث في هذه الفترة ، وأشدها ارتباطا
بمصير الحكم الإسلامي ، ولكي يتضح العهد العثماني على
وجه صحيح يجب أن تتضح بواعث الغضبة السفيانية ومفاعيلها
الرجعية التي صاغت ميثاق العهد العثماني وضمنته ، مستعينة
على صوغه وضمانه بالعامل التاريخي الذي لم يلن على وهج
الإسلام ، ولم يتأثر بحركة التطور .
التاريخ يبخل بتفاصيل الحادث السفياني ، ويشح بأخباره ،
فلا يعرض إلا للقليل القليل من خطره وأهميته . يذكر صورة
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 183
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٨٣