انتفاضته ، ويذكر إطفاء علي نار هذه الانتفاضة ، ثم يسكت ،
نعم يعرض عرضا لامحا خاطفا لحيرة أبي بكر وعمر بموقف
أبي سفيان ، ويشير إشارة عابرة إلى تدارسهما خطة تقيهما شر
هذا الداهية ، وتدفع عنهما وبال دسه ، ووبيل نشاطه ، وإلى
أنهما انتهيا إلى ( تأليف ) قلبه بالمال كما كان النبي يتألفه ،
وإلى أنهما فضلاه بالعطاء حتى بعد إلغاء عمر مادة ( المؤلفة
قلوبهم ) من نفقات ( الخمس ) إذ رفعه من درجة المنافقين ،
ووضعه في درجة ( أشراف مكة ) - راجع ابن الأثير - هذه
الدرجة التي استحدثها ليضربها - فيما أظن - إسفينا طبقيا في
سياسة النبي الشعبية ، يصطنعها لسياسته الخاصة بعد موته .
ولم يكن اعتذاره عن إلغاء هذه المادة بقوة الإسلام ، إلا ستارا
ألقاه على مخالفته الصريحة ، بدليل أنه لم يلغ هذه المادة في
الواقع ، بل عدلها ، فبدل عنوانها ، ومن الواضح أن عنوانها
الأول - المؤلفة قلوبهم - فيه من الحكمة ما يدعو إلى محو هذه
الطبقة من المنافقين تدريجا ، والحد من نشاطهم وتأثيرهم مع
الاحسان إليهم كما أنه لواضح كذلك أن العنوان الثاني
( أشراف مكة ) فيه من الحكمة ما يدعو هذه الطبقة إلى
الانتعاش والنشاط والقوة . وكان بعد تبديل هذا العنوان يخضع
قانون ( العطاء ) للاستثناء ، ويخضع ( الاستثناء ) لسياسته
فيخالف بين ( عطائه ) في صميم الطبقة الواحدة ، وكان يخالف
في طبقة المشركين من المؤلفة قلوبهم أو ( أشراف مكة ) - على
حد تعبيره - فيفضل أبا سفيان ومعاوية بعطاء ضخم ، فإذا
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 184
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٨٤