وكان رأي عمار وإخوانه في المبادرة إلى المعارضة مبنيا
على نظرة تقدمية سديدة ، وذلك أنهم يعلمون علما قاطعا ما
ينتظر الأمة في تجربة الحكم العثماني من انتكاسة الأنظمة ،
والتواء المبادئ ، وما ينجم عن هذا وذاك من ردة تعيد
المجتمع من اشتراكيته السمحة العادلة إلى ( رأسمالية ) تحيي
العصبيات ، وتهدم الكفايات ، وتحتكر الصلاحيات ، وتمتص
الأقوات ، فتروع المجتمع ، بعد أمن ، وتفرقه بعد اجتماع ،
وتفقره بعد غنى ، وتذله بعد عز ، وتضعفه بعد قوة ، وتستعبده
بعد حرية .
ولم يكن عمار وإخوانه من أصحاب هذا الرأي يرون سياسة
الانتظار إلا أسلوبا رجعيا ، فإمهال الحاكم الرأسمالي أو طبقة
هذا الحكم حتى تتكدس أخطاؤها ، توريط للدولة ، يرزأها
بمالها ، ويفتنها في عقائدها ، ويشغلها عن تقدمها بمعاناة كل
تافه سخيف من أرزاء المجتمع الإقطاعي وتياراته التي تجعل
تحصيل القوت اليومي في نظر الناس ظفرا وانتصارا . وهو
إمهال بعد ذلك يفسح المجال لفتك الأقلية بالأكثرية ، ويعطيها
فرصة خض البنيان الاشتراكي والتأليب عليه بالاستهواء ،
والترويع من وسائلها التقليدية المجرمة ، وفي هذه السياسة -
فضلا عن تكديس المحنة ومضاعفة الشقاء ، ومد الظلام -
تكريس غير مباشر لمبادئ الاستغلال بما تهئ له هذه
السياسة من فرص الصحو والانتعاش والاستفحال .
لهذا كله بادر عمار إلى المعارضة ، وود ما ود إخوانه لو
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 181
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٨١