في شئ ، إلا أنهم الآن واجمون ، والنبي واجم يدير في جنده
نظرة المطمئن الوادع رغم ما به من أوجاع المرض ، وأوجاع
الهموم ، وإن بعضها لتذيب الحديد ناره ، فهو على هذا نظر
وادع مطمئن يدور في وجوه القوم زاخرا بالمعاني والذكريات ،
وهم واجمون وهو واجم مضت على ذلك لحظات قصار
طوال ، شوهد بعدها النبي يتناهض من مضجعه مستعينا بعلي
على ما يقدر عليه من الجلوس ، معصوب الرأس بعصابته
الحمراء ، ملتفا ببرده الحضرمي الأحمر ، وتشرئب إليه الأعناق
بأسماعها وأبصارها تنتظر الكلمة التي طالما هونت عليهم
الموت ، وجنحتهم بالعزائم والعظائم ، وها هي الكلمة النبوية
تلك تنبعث من تينك الشفتين ، عذبة رقيقة حنونا فتقول : " أيها
الناس - بهذا العتب الجميل بدأ - يوشك أن أقبض قبضا
سريعا ، وقد قدمت لكم القول - وبهذا الذوق العظيم أنب -
معذرة إليكم ، ألا وإني مخلف فيكم كتاب ربي ، وعترتي أهل
بيتي " ثم أخذ بيد علي فرفعها وقال : " هذا علي مع القرآن
والقرآن مع علي - بهذه المخالفة تقديما وتأخيرا أنشأ وحدة
القرآن وعلي - لا يفترقان حتى يردا علي الحوض " . وبهذا
التأييد خوله كل صلاحياته وأعطاه ولاية من حقها أن
تستخلف ، ثم أدركه الجهد فاستند ، وساد الصمت .
كلمته التي هونت عليهم الموت . . طالما هونت عليهم
الموت من قبل ، هي هذه الكلمة ذاتها ، فما بالها - وهي وارية
مؤثرة كالعهد بها تمس هذه النفوس ذواتها فلا تلهبها ؟ ما بالها
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 116
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١١٦