سمع النبي مع لغط الأحزاب همسات تند بائتمار على إنكار
نصوصه السابقة ، أو انحراف بتفسيرها ، فرأى أن يحتفل بالنص
احتفالا رسميا يبطل فيه من العناية الخاصة ما يسكت نأمة
القوم ، ويرسل النص منفجرا في شبه الجزيرة كلها بصوت
يمتد إلى أبعد مدى إسلامي فدعى إلى حجة الوداع ، وعمم
الدعوة حتى انتهى إليه عشرون ومئة ألف يمثلون أقطار الإسلام
كلها ، ثم حج بهم وانتظر - كما أمره الله - حتى انقضى الحج
وانتشر الناس كل وفد سلك طريق بلده . أتدري لماذا ؟ لأنه لم
يؤمر بأن ينص على علي عرضا ، وإنما أمر أن يبذل في النص
عناية مستقلة فيعيد الناس من مسالكهم إلى غدير ( خم ) ليكون
الحدث أعلق بالذاكرة وأجدر بالاهتمام . وكذلك فعل ، فإذا
أقبل الناس من منصرفهم متشوقين إلى خبر السماء الخطير ،
وصنع له منبر من أحداج الإبل ، وأخذ بضبعي علي ، وذكر
للناس أهم ما جاءهم من خير وتنظيم واستشهدهم بعد كل
حادثة من حوادث تجديده على صدق تبليغه . إذا فعل هذا كله
رفع عليا بكلتا يديه الكريمتين حتى بان سواد إبطيه فنص عليه
النص خالد ، ولم يكد يتحرك من مكانه على أحداج الإبل
حتى بلغ الناس ما أوحي إليه تعليقا على تعيين علي ، فإذا الله
يبارك الاحتفال بهذا ( الموسوم ) : ( اليوم أكملت لكم دينكم
وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ولو كشف
لك الغطاء لرأيت هذا الجمع الغفير يتحلق حول علي ، ورأيت
عليا يتقبل التهاني ورأيت أبا بكر وعمر يصافحانه وهو يتقبل
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 114
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١١٤