إذ قالوا : أبت العرب أن تجتمع النبوة والخلافة في بيت
واحد ، في صيغة من الاعتذار إذا كان عليها لمعان وبريق من
الروح الديمقراطي ، فإنها معجونة بالتحدث لنيل القصد
النبوي ، والإباء على فهمه إباء يحدث تلك الهوة الرهيبة . ولو
رجعوا إلى بينة من الأمر لرأوه بطبيعة دينه وخلقه أبعد الناس
عن أنانيات الحكم المطلق ، وعنجهيات السلطان العائلي ، ولو
أراد شيئا من هذا لكان جديرا أن يعهد إلى عمه العباس فيبطل
كثيرا من حججهم لإقصاء علي ، فالعباس على أنه أقرب إليه
ليس حدث السن ، ولا والغا في دماء العرب - كما شاؤوا أن
يعيبوا عليا - ولكنه الحق من مصلحة الجميع هو الذي فرض
عليا ولم يكن للنبي في فرضه خيار .
قال المحدث : وكان عمار يراقب الأحداث ، ويحاكم
حركاتها فيصدر عن معطياتها واعيا يقظا سديد الحكم على
الأشخاص والأشياء وقد رأى أعمق أسباب الهوة بين النبي
وكثرة الأحزاب في هذه المشكلة ، أن كثيرا من المهاجرين
والأنصار حديثو عهد بهذه الحركة ، وأنهم دخلوا يوم دخلوها
مغامرين ، وأقبلوا عليها طامعين ، ثم تبنوها فدافعوا عن أنفسهم
وعن مطامعهم حين دافعوا عنها بمعزل عن حقها وخيرها وما
انبعثت من أجله ، فلما انتصرت كانت نفوسهم أكياسا لرواسب
كثاف من تركات التقاليد والتاريخ المهزومة من الميدان إلى
الاختفاء في ثانيا الصدور ، وخلايا الأحشاء وإلا فبماذا تفسر
النقمة على علي لقتله من قتل من آبائهم وأبنائهم ، في حين
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 109
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٠٩