طامي العباب ، وتعريضه لأمواج يعلم أنها لن تنتهي به إلى
شاطئ ، بل يعلم أن التيارات تتحكم به وتستبد بزمامه ، فتلقيه
في إحدى الجزر النائية رهينا بأمر حاكم يستدر منافعه ،
ويستثمر اسمه ثم لا يزيد .
وحين عدل عن الشورى ، عين ( عليا ) ولم يعينه إلا لأنه
الأفضل بالاتفاق ، وإلا لأن قدرته على التجرد من ذاته تأتي في
طليعة فضائله ، فهو الرجل المتوفرة فيه خصائص الشخصية
النبوية التي تستطيع النهوض بأعباء الحكم القرآني ، تبذل
السلام وتزيل أسباب العقد ، وتهدم جدارات التفاوت .
ولم تكن حقائق هذه النظرة خافية على الناس : كل الناس
في عهد عمار ، ولكن للأحزاب التي ورمت آنافها يوم ذاك شأنا
في التغافل عن نبيل هذا القصد ، ولا يستبعد على من لم
يتعمقوا الإسلام أن يسيئوا فهم هذا القصد ظانين أن النبي كان
كأحدهم يؤثر بيته بالمنفعة ، ويحصر الحكم في آله على
أساس عائلي ، الأمر الذي يفتح أمام الرأي هوة رهيبة بين
عقلية النبي ، وعقلية كثير من صحابته وأنصاره ، وهم نظروا أو
شاؤوا أن ينظروا إلى الخلافة نظرهم إلى الملك ، وأسبغوا
على هذه النظرة ما بأنفسهم من شوق الوصول ، وأمنية النفع
الشخصي . ونظر هو إلى الخلافة نظرة حرة تسخرها لنفع
الجميع ، فاختار لها بطلها الذي اتفق كونه عليا ، ولو اتفق أن
يكون أبا سفيان مثلا لما عدل عنه والله ، ولا يصور هذه الهوة
شئ كما يصورها اعتذار أجلائهم بعد إقصاء علي عن الحكم
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 108
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٠٨