مويهبة ليذيع في الناس والتاريخ هذه الصورة الرائعة من صور
نضاله الرفيع ، وليعلن رأيه بهذه الأحزاب المتحفزة المتوفرة
للاستيلاء على سلطانه استيلاء يسوق فتنا كقطع الليل المظلم ،
وينشئ ردة هي شر من الشرك ، ويؤلب عليه جبهة هي أضر
من جبهة أبي جهل وأبي سفيان بالأمس .
قال المحدث : وكان عمار فقيها إلى جانب مزاياه الكثر ،
أدبه النبي فأحسن تأديبه ، وأخرجه مثلا للمسلم القرآني الحر ،
فلا يأخذ عقيدته الإسلامية أخذا أعمى ، وقد يجال رأيه في
منصب الخلافة ، فوجد أنه ملزم ما دام مسلما باتباع رأي النبي
قولا وعملا وتقريرا ، ووجد أن من رأي النبي في هذا المركز
الخطير ربطه بالسماء ، وإخضاعه للنص ، ولعله رأى من رأي
النبي في هذه المسألة أكثر من ذلك . لعله رأى النبي لا يرى
نفسه صنع شيئا إذا لم يعين الخليفة تعيينا ، ويختاره اختيارا ،
وهو لم ير هذا من رأي محمد ، بل رآه من رأي النبي المعبر
عن رأي الله : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك
وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) .
وبعد أن رأى خضوع الخلافة للنص أمرا من صلب الدين
في الكتاب والسنة ، ورآه من الأمور الثابتة التي لا خيار في
نسخها وتبديلها حتى للنبي ، بعد هذا رأى النبي يبلغ هذا
الحكم أحسن بلاغ ويجهد في النص ما لم يجهد بحكم من
أحكام الإسلام قبله ، ذلك لأنه نظام الأحكام كلها فإذا انفرط
تناثرت الأحكام ضائعة الوحدة ، مشتتة الشمل .
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 103
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٠٣