وجد هذا الخليفة الراشد ، أو لأن الله أوجد له هذا الخليفة
وأمره بنصبه علما وإماما وحاكما ، ولكنه حائر بين إرادة الله
وإرادة المنافقين ، وبين مصلحة الإسلام ومصلحة الطامعين ،
أراد الله عليا ، وأباه المنافقون ، وأرادته مصلحة الإسلام وفي
ضمنها مصلحة المنافقين أنفسهم ، ورفضته أنانيات النفعيين ،
فهو لذلك أرق مسهد طويل الليل طويل النهار .
قال المحدث : وكان عمار يعلم - فيمن علم - أمر هذا
الأرق الذي يلح على النبي إلحاحا طالما أخرجه في هدأة
الليل ، وروعة الأسحار من بيته طائفا يفرج عن نفسه بشكوى
الأحياء من حوله إلى الأرواح الحية من أهل القبور . حدث أبو
مويهبة مولى رسول الله فقال : أرق النبي ذات ليلة ، وألح عليه
الأرق ، فخرج وخرجت أسعى خلفه بأمر منه ، فلما انتهى إلى
( بقيع الغرقد ) - مقبرة المدينة - وقف بين المقابر وقال :
( السلام عليكم يا أهل المقابر . ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه
مما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع
آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى ) . فأي هم هذا الذي
يرسل هذه الشكوى المرة على لسان محمد . . محمد لا غيره ؟
وما هذا الجحيم الذي يهنئ الأموات على النجاة منه ؟ وما
هذه الردة التي يصفها بأنها شر من الشرك ، الواقع أن البوح لا
يعرف أصرح بوحا من هذا الذي يبثه النبي للأموات ! . أترى
أن النبي كان يستوحش من غشيان المقبرة منفردا لو أراد أن
يكتم هذه الشكوى ؟ ما أظن أحدا يتردد بأنه إنما صحب أبا
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 102
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٠٢