كان سلطان الإسلام هذا الذي أحرزه النبي بنصره العظيم
يدعوه إلى الحزن من حيث يدعوه إلى السرور ، ويجلب له
الهم من حيث يجلب له الاغتباط ، فهو يعلم أن سلطانه بما
أتيح له من موارد الفئ ، وسعة النفوذ ، سلطان مغر في ذاته ،
يزل الأقدام ، ويزيغ الأبصار ، ويحرج الصدور ، فلو انتهى إلى
صاحبه ، أو انتهى إليه صاحبه في مجتمع سليمة نياته ، نقيات
ضمائره ، لم يكد يسلم لصاحبه ، ولم يكد صاحبه يسلم له إلا
بشق الأنفس ، فكيف وهو يعهد في هذا المجتمع أدهى ما
يعهد الإنسان من نفاق ، ويرى فيه إلى المنافقين مستوفزين
متحفزين يأتمرون بالخلافة ويستعدون لها فلا يصدهم عنها إلا
وجوده الكريم ، يعيد نظره إليهم فيجدهم يغلون بالتحفز والتوفز
حتى يروا إلى وجوده هو وقد عاد عبئا ثقيلا عليهم ، فهم
ينتظرون انقضاءه ساعة فساعة ، ويتمنون ارتفاعه لحظة
فلحظة ( 1 ) ليثبوا إلى مطامعهم من نقل السلطان - كما كانوا
هامش
( 1 ) مما اتفقت عليه السير والأحاديث أن النبي في مرضه الأخير كان يأبى
على زوجاته شرب ما يقدمنه إليه من دواء ، وأنهن اغتنمن فرصة إغمائه
مرة فسقته في إغمائه ميمونة بنت الحرث بعض الجرعات ، فلما أفاق
غضب وأمر جميع من حضر أن يشربوا مما شرب وكانت ميمونة صائمة
فأمرها أن تشرب ولم يستثن إلا عمه العباس ، ولم يغضب هذه الغضبة
إلا نتيجة لشكه بمن حوله من عضوات تلك الأحزاب ، ثم لم يشك بمن
حوله من ( حبيباته ) إلا نتيجة لنشاط تلك الأحزاب الخارجي ، والمعروف
أن النبي خولف أمره في هذه السنة أكثر من مرة ، ولو اتسعت حياته قليلا
لكان له مع هؤلاء تدبير ولكنه عز وجل ، ولم يشأ هو أن يعجل حرصا على
سلامة الإسلام .